اوراق مختارة

التجارة الإلكترونيّة تنتعش جنوباً رغم الدمار: أسواق رقميّة جديدة تثبّت حضورها

post-img

علي ضاحي (صحيفة الديار)

بعد سنواتٍ من الانهيار الاقتصادي ومن ثمّ الحرب التي أصابت الجنوب والبقاع والضاحية أكثر من غيرها، بدا أنّ التجارة الإلكترونية وحدها هي القطاع الذي لم ينكمش، بل على العكس تمدّد وتضاعف نشاطه، مستنداً إلى توسّع الدفع الرقمي وانتشار التوصيل المحلي.

قطاع يتضخّم

وتشير تقديرات شركات أبحاث الأسواق في المنطقة إلى أنّ حجم التجارة الإلكترونية في لبنان تخطّى 1.2 مليار دولار عام 2024، مقارنة بـحوالي 700 مليون دولار عام 2021، أي بنسبة نمو تقارب 70% خلال ثلاث سنوات.

ويعزو اقتصاديون هذا الارتفاع إلى: ارتفاع نسبة مستخدمي الإنترنت إلى فوق 86% من السكان.

ويشير هؤلاء لـ "الديار" الى انكماش التجارة التقليدية بسبب تراجع القدرة الشرائية وإقفال آلاف المحال.

وكذلك انتشار الدفع الرقمي والتحويلات الصغيرة عبر التطبيقات المصرفية والمحافظ الإلكترونية.

مصرف لبنان

وتفيد بيانات مصدرها مصرف لبنان أن حجم المعاملات الرقمية عبر التطبيقات ارتفع بنسبة 42% بين 2023 و2024، فيما زادت عمليات الدفع عبر منصات البطاقات بنسبة 35% خلال الفترة نفسها.

التجارة الرقمية تتقدّم جنوباً

الجنوب، الذي شهد دماراً واسعاً في قطاعات المتاجر والبنى التحتية، بات أحد أكبر ساحات التجارة الإلكترونية.

ويشير محمود، صاحب متجر ألبسة في صور لـ "الديار": الى ان "خلال الحرب، تدمّر جزء من المتجر وتوقّف الزبائن كلياً. قررت الانتقال إلى الصفحة الرقمية فقط. المبيعات ارتفعت 40% خلال شهرين، والطلب من بيروت والنبطية وصيدا أصبح أعلى من الطلب من الشارع نفسه".

التوصيل يكسر الحصار

وفي النبطية تلفت رانيا، صاحبة متجر أدوات منزلية عبر إنستغرام: الى اننا "كنا نعمل فقط داخل النبطية قبل الحرب. اليوم نقدم خدمة توصيل إلى كل الجنوب عبر سائقين محليين. أحياناً يكون الطريق مقطوعاً فنحوّل التوصيل عبر نقطة وسيطة. رغم كل التحديات، ازداد عدد الطلبات اليومية من 8 إلى 25 طلباً".

وزارة الاقتصاد

ويؤكد مصدر مسؤول في وزارة الاقتصاد لـ "الديار" أنّ الوزارة: "تراقب حالياً ازدياد المتاجر الإلكترونية غير المرخصة، وتعمل على إعداد آلية جديدة لتسجيل المتاجر الرقمية، بما يشمل إلزامها بوضع أسعار واضحة وضمان حقّ الاسترجاع. هناك أكثر من 420 بلاغاً لمستهلكين هذا العام حول أسعار وهمية وصفحات غير موثوقة".

وزارة الاتصالات

ويكشف مسؤول في وزارة الاتصالات لـ الديار:"رغم الحرب، لم يتوقف عمل الإنترنت في أغلب مناطق الجنوب. نعترف بوجود انقطاعات، لكن سرعة الإنترنت ارتفعت بين 2022 و2024 بنسبة تتجاوز 55% بحسب القياسات الداخلية. التطور في البنى الرقمية ساعد مباشرة في صمود التجارة الإلكترونية".

شركات التوصيل: اللاعب المتغيّر

ومواكبة لنشاط التجارة الرقمية، ارتفع عدد شركات التوصيل المحلية الصغيرة في الجنوب من 9 قبل الحرب إلى 23 شركة محلية اليوم، بحسب تقديرات تجمّع أصحاب شركات التوصيل.

ويقول هادي مدير شركة توصيل في صيدا :"كنا نعمل في صيدا فقط، واليوم أصبحنا نخدم صور والنبطية والقرى الحدودية. الطلبات الإلكترونية تضاعفت، والأصعب هو الوصول للمناطق المتضرّرة، لكن التجار أصبحوا يعتمدون علينا بنسبة 100%.

أين يقف المستهلك؟

وفق استبيان أجرته جمعية حماية المستهلك في أيلول الماضي على عيّنة من 1200 مستخدم: فإن 73% من الجنوبيين اشتروا منتجات عبر الإنترنت في الأشهر الثلاثة الأخيرة.

62 % يفضّلون الدفع عند التسليم. 33 % يستخدمون المحافظ الإلكترونية أو البطاقات.

أكثر السلع مبيعاً: المواد الغذائية، الملابس، الأدوات المنزلية، والملحقات الإلكترونية.

أبرز المخاوف لدى المستهلك: الغش في الأسعار، التأخير في التوصيل، انقطاع التواصل بعد الدفع.

دور المصارف وشركات الدفع

وتشير بيانات شركات الدفع إلى أنّ التجار الصغار في الجنوب ارتفع عددهم بنسبة 28% ممن فعّلوا خدمة الدفع عبر نقاط البيع أو التطبيقات.

ويقول أحد مديري فروع البنوك في صور لـ "الديار": "التجارة الرقمية هي الوحيدة التي ما زالت تتحرّك. نصف التجار الذين يفتحون حسابات جديدة اليوم يطلبون تفعيل حلول دفع إلكترونية".

تحديات سلبية

وبالاضافة الى ايجابية هذه التجارة، تبرز تحديات سلبية في وجهها. حيث تشكل تبرز عقبات البنى التحتية المتضررة: طرق، كهرباء، انترنت وغياب الرقابة على آلاف الصفحات وضعف التشريعات الخاصة بالتجارة الرقمية وارتفاع كلفة النقل بعد الحرب.

إلّا أنّ التوسّع الجاري، وارتفاع ثقة الناس تدريجيًا، يشيران إلى أنّ التجارة الإلكترونية باتت جزءاً ثابتاً من اقتصاد الجنوب، لا خياراً مؤقتاً فرضته الحرب.

وفي المحصلة ورغم الدمار، وفقدان الأعمال، وإقفال المحلات، برزت التجارة الإلكترونية كأحد أنفاس السوق القليلة التي تنمو بدل أن تتراجع.

الجنوب، تحديداً، قدّم نموذجاً واضحاً: الناس تكيّفت بسرعة، التجار تحوّلوا إلى البيع الرقمي، والسوق ولدت من جديد عبر الإنترنت.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد