أوراق سياسية

من “وادي المسك” الى "وادي خالد".. عندما يتحول النصّاب الى مرجعية!.. 

post-img

غسان ريفي (سفير الشمال)
    
مع تفاعل قضية الأمير الوهمي “أبو عمر” ودخولها في مسارها القضائي الذي أفضى الى توقيف الشيخ خلدون عريمط وآخرين، يستحضر بعض اللبنانيين المسلسل السوري “وادي المسك” من بطولة دريد لحام (غوار)، ليس من باب الترف أو الحنين الى كوميديا قديمة، بل من أجل أخذ العبرة وفهم بعض الآليات التي تتكرر في السياسة اللبنانية بأشكال مختلفة، وتقوم في معظمها على الخداع للوصول الى المال أو السلطة.

يعرض مسلسل “وادي المسك” قصة شاب (دريد لحام بدورغوار) يعمل في الخارج ليبني مستقبله كي يتزوج إبنة عمه، وفي مغتربه يتعرَّض لعملية احتيال من قِبَل شخص يشبهه تمامًا، فيقوم الأخير باستدراجه ومعرفة تفاصيل حياته الكاملة ويسرق مدخراته، ثم يسافر الى بلده (وادي المسك) فيخدع أهلَه، ويظنونه الشاب الحقيقي.

يعمل “النصاب” العائد من الغربة على اجتذاب الانتهازيين والوصوليين في “وادي المسك”، ويعد الأهالي الذين إرتابو منه، بكثير من المشاريع وإغداق الأموال بانتظار أن يصل “الشحن والسامسونايت”، ثم شيئا فشيئا يصدقه كثيرون فيبني زعامة تقوم على الإبتزاز والسرقة والخداع والفساد والإفساد والوعود العرقوبية، ويؤدي ذلك الى نجاحه في أن يخرب النظام الذي إنتقل من الحزم الأمني والتشدد القانوني الى الفوضى والرشوة والأزمات الاقتصادية، وهذا ما مكّن “النصاب” من فرض نفوذه على البلدية وأعضائها وعلى المخفر وآمره وعناصره وعلى بعض الوجهاء الطامحين الى مناصب في الدولة والذين لم يتوانوا عن دفع الأموال له لمساعدتهم على تحقيق تطلعاتهم وطموحاتهم.

 في النهاية يعود الشاب الحقيقي الى بلده، وتحكم المحكمة ضده بأوامر من “النصاب”، كون أعضاؤها هم من المستفيدين منه، قبل أن ينتفض أهالي الوادي ويسقطون الوهم ويكشفون عملية النصب التي تعرضوا لها.

ما شهده مسلسل وادي المسك من أحداث يشكل مرآة لفضيحة “أبو عمر” ومن ورائه الشيخ خلدون عريمط وآخرين، ليس من باب التطابق، بل من خلال البيئة السياسية والاجتماعية الهشة التي سمحت لـ”نصاب” في المسلسل أن يتحول الى مرجعية، وخضعت في لبنان لـ”عامل بسيط” بمجرد أن إدعى أنه أمير في الديوان الملكي السعودي، ونسج شبكة من الوعود لمجموعة من الجياع لبعض المناصب رئاسة ونيابة ووزارة.

وهكذا استمر الخداع سنوات طويلة، أمير وهمي تديره مرجعية دينية تستعين بمن يلزم كل حسب سعره بالعملة الصعبة للوصول الى المبتغى، وهو بيع الأوهام مقابل المال في بلد مأزوم ينخر الفساد أجهزته وشخصياته ويغتال مؤسساته ويفرّغ الدولة من مضمونها.

المشكلة الأساسية لم تكن فقط بمن إمتهن النصب وأطلق الوعود، بل بهواة الانبطاح والتبعية من السياسيين الذين وجدوا في هاتف بريطاني وآخر سعودي ولهجة خليجية ضالتهم، فسارعوا الى تقديم فروض الطاعة والولاء للحصول على الرضى ومن ثم على المكاسب التي يضع كل منهم عينه عليها.

في “وادي المسك”، لم تسقط الخديعة سريعا، بل بعد أن تراكمت التناقضات وانكشفت الهوة السحيقة بين الكلام وبين الواقع، فحصل المشاهدون على الحقيقة الكاملة بعد 17 حلقة متتالية، لكن في لبنان، حيث تعمي المناصب الأعين، ويعطل النفوذ الخارجي العقول وينتشر الغباء السياسي، استمرت خديعة أبو عمر سبع سنوات، وهي كانت مرشحة لأن تستمر 17 عاما لولا بعض الصدف التي ساهمت في كشفها، بعد أن باع الأمير الوهمي ومن يُحركه شيكات من دون رصيد بملايين الدولارات عدا ونقدا.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد