د. فاطمة علي الموسوي (صحيفة البناء)
لم تعد إشكالية العدالة الدولية وحقوق الإنسان إشكالية قانونية أو مؤسساتية فحسب، بل تحوّلت إلى معضلة بنيوية تمسّ جوهر النظام العالمي المعاصر، وطبيعة السلطة، وحدود الأخلاق في السياسة الدولية. فالعالم الذي ادّعى، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أنه دخل مرحلة عقلنة العنف وتنظيم القوة عبر القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف، يجد نفسه اليوم أمام واقع يناقض الأسس التي قام عليها هذا الادّعاء. إذ تتكاثر الاغتيالات، تتوسع الحروب، تتكرّس سياسات الخطف والقتل الجماعي، وتتوالى الاعتداءات العابرة للحدود، فيما تقف المنظومة الدولية إما عاجزة أو صامتة أو متواطئة.
إنّ العدالة الدولية، بوصفها مفهوماً، تفترض وجود معيار كوني ثابت يُطبَّق على الجميع دون تمييز، ويُخضع القوة للقانون، لا العكس. غير أنّ الممارسة الفعلية تكشف أنّ هذا المعيار لم يعد سوى بناء نظري هش، يخضع في تطبيقه لموازين القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية. فالعدالة لا تُستدعى إلا حين تخدم مصالح قوى بعينها، وتُعطَّل حين تمسّ حلفاء أو أنظمة محمية أو دولاً تمتلك فائض القوة. من هنا، لا يمكن فهم أزمة العدالة الدولية خارج إطار التحليل السوسيولوجي للسلطة العالمية، حيث تُنتج القوانين، وتُفسَّر، وتُعلَّق وفقاً لمن يمتلك القدرة على فرض تعريفه للشرعية.
أما حقوق الإنسان، التي شُيِّدت نظرياً على فكرة الكرامة الإنسانية الكونية، فقد شهدت مساراً مماثلاً من التفريغ التدريجي من مضمونها. تحوّلت من حقوق غير قابلة للتصرّف إلى أدوات خطابية تُستخدم في النزاعات السياسية، أو ذرائع أخلاقية لتبرير التدخلات، أو أوراق ضغط انتقائية تُرفع في وجه الخصوم وتُطوى أمام الحلفاء. هذا التحوّل لا يعكس فشلاً أخلاقياً فحسب، بل يكشف عن أزمة عميقة في البنية الاجتماعية ـ السياسية للنظام الدولي، حيث انفصل الخطاب القيمي عن البُنى الحاملة له، وفقدت القيم قدرتها على الإلزام.
من منظور علم الاجتماع السياسي، لا يمكن لأيّ منظومة قيم أن تستمرّ أو تُنتج أثراً فعلياً ما لم تكن مدعومة بمؤسسات مستقلة، وآليات محاسبة فعلية، وتوازن قوى يحدّ من هيمنة الفاعلين الأقوى. ما نشهده اليوم هو العكس تماماً: مؤسسات دولية مقيدة، محاكم بلا قدرة تنفيذية حقيقية، وقرارات أممية تُصاغ بلغة أخلاقية لكنها تُفرغ من مضمونها عند أول اختبار سياسي. وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى: النظام الذي أُنشئ لضبط العنف بات، في كثير من الحالات، جزءاً من آلية إنتاجه أو تبريره.
تُظهر الوقائع المعاصرة أنّ الاغتيال لم يعد حدثاً استثنائياً خارج القانون، بل أصبح ممارسة سياسية مُمأسَسة، تُغلَّف بلغة أمنية أو استراتيجية، وتُدمج في منطق “إدارة المخاطر” و”الحروب الوقائية”. هذا التحوّل يعكس انزلاقاً خطيراً في تعريف الشرعية، حيث يُعاد تأويل القتل ليصبح فعلاً دفاعياً، وتُختزل حياة الإنسان في معادلات الربح والخسارة الجيوسياسية. في هذا السياق، تفقد حقوق الإنسان معناها الجوهري، وتتحوّل من ضمانة للحياة إلى عنصر قابل للتعليق.
الأخطر من ذلك هو الأثر التراكمي لهذا الواقع على الوعي الجمعي العالمي. فالتكرار المستمر للانتهاكات، مقروناً بصمت المؤسسات الدولية، يؤدي إلى تطبيع الظلم، وإلى تآكل الحساسية الأخلاقية تجاه العنف. ومع الوقت، يصبح القتل خبراً عابراً، والحرب حالة دائمة، والضحايا أرقاماً إحصائية. هذا التطبيع لا يهدّد فقط الأفراد والمجتمعات المتضررة مباشرة، بل يقوّض الأساس الأخلاقي الذي تقوم عليه فكرة المجتمع الدولي ذاتها.
إنّ أزمة العدالة الدولية ليست أزمة تقنية يمكن حلّها بإصلاح إجرائي محدود، بل هي أزمة بنيوية تتطلب إعادة نظر جذرية في طبيعة النظام العالمي، وفي العلاقة بين القوة والقانون، وبين السيادة والمسؤولية، وبين الدولة والإنسان. فلا معنى لأيّ خطاب عن حقوق الإنسان ما لم يُوضَع الإنسان في مركز السياسة الدولية، لا بوصفه أداة أو ذريعة، بل كغاية بحدّ ذاته. ولا جدوى من الحديث عن عدالة دولية ما لم تُفكَّك قداسة القوة حين تتحوّل إلى مصدر للعنف المنفلت.
في الخلاصة، يمكن القول إنّ العدالة الدولية اليوم لا تعاني فقط من الغياب، بل من فقدان المعنى. وحقوق الإنسان لا تُنتهك فحسب، بل تُفرَّغ من مضمونها وتُستَخدَم ضدّ جوهرها. واستعادة المعنى لا تبدأ من النصوص ولا من البيانات، بل من تحوّل جذري في البنية القيمية والسياسية للنظام العالمي، تحوّل يعيد الاعتبار للمساءلة، ويكسر منطق الإفلات من العقاب، ويؤسّس لعدالة لا تُقاس بميزان القوة، بل بميزان الإنسان.