ملاك عطوي (صحيفة البناء)
في زمنٍ لم يعد فيه العالم الرقمي مجرّد أداة بل سلطة تتسلّل إلى تفاصيل وعينا، لم تعد الشاشة نافذة نطلّ منها على العالم، بل قفصاً يُعاد تشكيلنا داخله كلّ يوم. نقف أمامها بإرادتنا، نعم، لكننا نُقاد بإيقاعها كما تُقاد الجموع خلف وهمٍ لامع. نركض في سباقٍ مفتوح بلا خط نهاية، سباقٍ لا يعترف بالتعب ولا يمنح فرصة للالتقاط الأنفاس. الجميع يعرض “أفضل نسخة”: أجساد مصقولة، بيوت مثالية، إنجازات متلاحقة، وابتسامات لا تشوبها هزيمة. أما الحقيقة؟ فمقصيّة خارج الإطار، كأنها عيب يجب إخفاؤه.
هذه الصورة اللامعة ليست سوى مشهد مُنتقى بعناية، كمال مُعلّب منزوع من العرق الذي سبق النجاح، ومن الفشل الذي صنع النضج، ومن الليالي التي امتلأت شكاً وخوفاً. نحن لا نقارن حياتنا بحياة الآخرين، بل نقارن واقعنا الخام بنسخهم المعدّلة. نقيس أيامنا الثقيلة بلحظاتهم المضيئة، ونحاكم أنفسنا لأننا بشر، لا لأننا قصّرنا. وهنا تكمن الخدعة الكبرى: أن نصدّق أنّ ما نراه هو الحقيقة الكاملة، وأنّ ما نعيشه هو النقص.
ومع سيل العناوين التي تخاطب غرائز النقص فينا ـ “كن أفضل الآن”، “اصعد أسرع”، “اجمع أكثر”، “لا تبقَ عادياً” ـ يتحوّل التطور إلى واجب قاسٍ، والإنجاز إلى شرطٍ للقبول، والهدوء إلى تهمة. يُعاد تعريف القيمة الإنسانية بمعايير رقمية باردة: ما تعرضه أهمّ مما تعيشه، وما تحققه أهمّ مما تتعلّمه، وما تملكه أهمّ مما تكونه. هكذا، بهدوءٍ قاتل، يتآكل الرضا الداخلي. يتراجع صوت القبول الذاتي، ويعلو بدلاً منه جلدٌ يومي للذات لا يرحم، كأنّ الإنسان مشروع ناقص على الدوام يحتاج إلى تحديث مستمر كي يُسمح له بالبقاء.
في هذا المناخ، لا تعود المنافسة الرقمية سعياً صحياً نحو الأفضل، بل تتحوّل إلى محكمة مفتوحة نحاكم فيها أنفسنا بلا دفاع ولا استئناف. صراعٌ داخلي يلتهم السكينة: بين الصورة التي نُظهرها والواقع الذي نعيشه، بين ما نريده فعلاً وما يُفرض علينا أن نريده، بين إيقاعنا الطبيعي وسرعةٍ مفروضة لا تشبهنا. نلهث خلف مثالية لا تعترف ببطء الإنسان، ولا بحقه في التردّد، ولا بشرعية الفشل. ومع كلّ مقارنة عابرة، يترسّخ وهمٌ خطير: أنّ القيمة تُكتسب بالظهور، وتُسحب عند أول تعثّر.
الأخطر من ذلك أنّ الإنسان يبدأ بفقدان صوته الحقيقي. يتشكّل وفق مقاييس الرائج، يخفّف من حدّته، يجمّل آراءه، يختصر ذاته لتناسب قالباً قابلاً للاستهلاك. يتحوّل من كائن حيّ معقّد إلى مشروع عرض دائم، يخشى أن يُرى على حقيقته، ويخاف أن يتوقّف كي لا يخرج من المشهد. يعيش ليراه الآخرون، لا ليحياه هو. يبتسم للكاميرا، ويؤجل حزنه، ويؤطر نجاحه، ويخفي انكساراته كي لا يخسر “الصورة”. وهكذا يصبح أسيراً لمرآة لا تعكسه، بل تعكس ما يُنتظر منه أن يكونه.
قبول الذات، في هذا السياق، ليس خطاباً ناعماً للتنمية البشرية، بل فعل مقاومة حقيقي. هو أن ترفض أن تُختزل في رقم، وأن تدرك أنّ قيمتك لا ترتفع بتصفيق عابر ولا تنخفض بتجاهل مؤقت. هو أن تعترف بإنسانيتك كاملة: قوتك وضعفك، نجاحك وإخفاقك، ثباتك وتقلّبك، دون أن تحتاج إلى تبرير وجودك. أن تعمل على نفسك لأنك تؤمن بإمكاناتك، لا لأنك تخشى أن تُمحى من سباقٍ لا يعرف الرحمة ولا يعترف بالاكتفاء.
الإنسان الذي يعرف قيمته لا تهزّه صورة مصقولة، ولا تكسره خوارزمية عابرة، ولا يربكه تأخر مؤقت. يفهم أنّ ما يُعرض ليس كلّ الحقيقة، وأنّ وراء كلّ إنجاز معلن فوضى خفية، ومحاولات فاشلة، وأياماً من الصمت الثقيل، وساعات من الشك لم تُنشر. يدرك أنّ الطريق لا يُقاس بسرعة الوصول، بل بصدق الخطوات، وأنّ البطء أحياناً نجاة، لا هزيمة.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الكمال، بل إلى شجاعة الاعتراف بأننا لسنا كاملين ولن نكون. لا نحتاج إلى سباقٍ جديد، بل إلى وقفة صادقة مع الذات، إلى لحظة نغلق فيها الشاشة لنسمع صوتنا نحن، لا صدى الآخرين. ففي زمنٍ يُدار فيه كلّ شيء بالصورة، يصبح الرضا تمرّداً، ويغدو التصالح مع النفس ثورة هادئة في وجه عالمٍ يتغذّى على شعورنا بالنقص… كي نظلّ نركض، ونستهلك، ونلهث، دون أن نصل أبداً.