الدواء في مرمى النار: الحرب تطيح بمئات الصيدليات

post-img

مالك دغمان (صحيفة المدن)

في ظل الضغوط المتصاعدة على القطاع الدوائي في لبنان وتحوّلاته العميقة بين الحرب والاقتصاد والأمن الصحي، يتكشف مشهد مركّب يعيد رسم علاقة اللبنانيين بالدواء والسوق معاً.

وبين تصاعد الاعتماد على الدواء المحلي كبديل استراتيجي في مواجهة انقطاع بعض الأصناف المستوردة، وتراجع تجارة "دواء الشنطة" بفعل تشديد أمني واسع، وصولاً إلى تداعيات الحرب المباشرة على الصيدليات من إقفال ونزوح ودمار، يظهر القطاع الصيدلاني كخط تماس حيوي يعكس حجم الانهيار الاقتصادي والإنساني في البلاد.

انقطاع أدوية مستوردة

في ملف انقطاع بعض الأصناف المستوردة، يفتح نقيب الصيادلة عبد الرحمن مرقباوي الباب واسعاً أمام معادلة جديدة تفرض نفسها في السوق اللبنانية، وهي "الدواء وطني الصنع". يرى النقيب أن النقابة والصيادلة باتوا يوجهون المرضى بشكل ممنهج ونفسي نحو اعتماد الدواء الوطني كخيار بديل أول، ليس فقط بداعي التوفير، بل كخيار استراتيجي.

هذا التحول ناتج عن ثقة حقيقية تكرست خلال سنوات الأزمة المتلاحقة؛ حيث اختبر المرضى جودة وفعالية الدواء المحلي. ومما يعزز هذه المكانة اقتصادياً، حصول مصانع الدواء في لبنان على اعتماد شهادة الجودة الأوروبية، وهي الشهادة التي تتيح لها التصدير إلى الأسواق الأوروبية، مما يجعل الصناعة المحلية ركيزة أساسية للأمن الدوائي توفر فروقات سعرية مريحة للمواطن مقارنة بالشركات العالمية العملاقة.

انحسار "دواء الشنطة"

لطالما شكلت الأسواق الموازية وتجارة "دواء الشنطة" استنزافاً حاداً للقطاع الشرعي والصيدليات المرخصة. إلا أن مرقباوي يكشف لـ"المدن" عن تراجع ملحوظ في تأثير هذا القطاع غير الشرعي، لتهبط نسبته إلى ما بين 10% و15% فقط في الآونة الأخيرة.

هذا التراجع لم يكن وليد الصدمة، بل جاء نتيجة تنسيق أمني رفيع المستوى؛ حيث زودت النقابة الأجهزة الأمنية بملف متكامل يتضمن أسماء مهربين ومنصات إلكترونية تروج للأدوية المهربة والمزورة عبر الإنترنت.

أثمر هذا التعاون عن تطويق وتفكيك بؤر التهريب الأساسية في المناطق الحدودية، بالتزامن مع حظر قاطع لعمليات توصيل الأدوية للمنازل عبر تطبيقات التوصيل. ويجدد النقيب تحذيره الصارم من مخاطر هذه التجارة السوداء: "دواء الشنطة يدور دائماً بين خيارين؛ إما أنه دواء مزور، وإما أنه مهرب نُقل في ظروف حرارية سيئة تفقد المادة الفعالة خصائصها الشفائية وتحولها إلى مواد سامة تضر بالمريض".

صيدليات في مهب الحرب

ويصوّب مرقباوي المفاهيم الشائعة في الوسط الاقتصادي حول إفلاس الصيدليات، مؤكداً أنه لا توجد حالات إفلاس مالي بالمعنى التجاري، بل إن ما يحدث هو إغلاق قسري مباشر تمليه ظروف القصف العنيف والنزوح السكاني لبيئة الصيدلية بالكامل.

ووفقاً للبيانات الموثقة التي رفعتها نقابة الصيادلة إلى وزارة الصحة العامة ومنظمة الصحة العالمية، فإن حجم الضرر البنيوي في القطاع يتلخص في الآتي: 

• نزوح الجسم المهني: بلغ إجمالي عدد الصيادلة النازحين حوالي 1100 صيدلي.

• خريطة النزوح الدوائي: يتوزع هذا الرقم بين 800 إلى 900 صيدلي تركوا قراهم وبلداتهم قسراً، من ضمنهم ما بين 200 إلى 300 صيدلي نزحوا من منطقة الضاحية الجنوبية لبيروت وحدها جراء مسح مربعات سكنية كاملة.

• الدمار المادي: أدت الأوضاع العسكرية المباشرة إلى إغلاق نحو 300 صيدلية بشكل كامل في المناطق الساخنة (الجنوب، البقاع، والضاحية)، وتتراوح وضعيتها ما بين تدمير جزئي وتدمير كلي نتيجة القصف والعدوان.

في ختام القراءة، يوجه النقيب مرقباوي تحية إجلال للجسم الصيدلاني الصامد في القرى والبلدات الحدودية وفي كافة مناطق الخطر. هؤلاء الصيادلة، عبر إصرارهم على فتح أبوابهم والمخاطرة الفردية لتأمين الأدوية تحت القصف، أثبتوا أن مهنة الصيدلة في لبنان ليست قطاعاً تجارياً يبحث عن الربح فحسب، بل هي خط الدفاع الإنساني الأول والأخير الذي يرفض ترك اللبنانيين لمصيرهم مهما بلغت الكلفة.

صراع البقاء في اقتصاد الحرب

لا تعكس هذه الأرقام، على قسوتها، مجرد أزمة صحية عابرة، بل تؤشر إلى تحول عميق في بنية "اقتصاد الصدمة" الذي بات يتحكم بالدورة المالية للبنانيين، حيث تتقدم "فاتورة الاستقرار النفسي" لتنافس الفواتير الحياتية الأساسية من غذاء وطاقة. إن إنفاق ما يفوق الـ 17 مليون دولار على أدوية الأعصاب في بلد يرزح تحت وطأة الانهيار، يثبت أن الرأسمال البشري للبلاد يعيش حالة استنزاف صامت ومكلف مالياً ونفسياً.

في المقابل، فإن خروج نحو 300 صيدلية من الخدمة ونزوح مئات الصيادلة لا يمثلان مجرد أرقام في خانة الخسائر الحربية، بل هما مؤشر على انكماش جيو-اقتصادي يصيب قطاعاً كان حتى الأمس القريب يُصنف كأحد أكثر القطاعات حصانة وربحية.

أمام هذا الواقع، يقف القطاع الصيدلاني اليوم عند مفترق طرق خطير: فبينما يفرض "الدواء المحلي" نفسه كبديل استراتيجي لامتصاص نزيف العملة الصعبة وتأمين حد أدنى من الأمن الدوائي، تبقى الأسواق الشرعية محاصرة بتهديدات المضاربات غير المشروعة وانكماش القدرة الشرائية للمواطنين. 

وفي غياب رؤية إنقاذية شاملة، تظل الصيدليات اللبنانية تقاوم بعناد، لا لتأمين أرباح تجارية، بل لمنع انهيار آخر خطوط الدفاع الاقتصادي والصحي لما تبقى من مجتمع يبحث عن "جرعة صمود" في علبة دواء.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد