شهد العراق واحدة من أكبر محطات تشييع المرشد الإيراني الشهيد علي خامنئي خارج إيران، في حدث امتزج فيه البعد الديني بالرسائل السياسية، عاكسًا حجم الحضور الشعبي والرسمي، وسط احتدام الصراع الإقليمي وتصاعد الضغوط الأميركية على بغداد.
شهدت مدينتا النجف وكربلاء، أمس، مراسم تشييع حاشدة للمرشد الإيراني الراحل، آية الله الشهيد علي خامنئي، في محطّة خارجية بارزة ضمن مسار جنازته. وحملت هذه المحطة دلالات سياسية كثيفة وواضحة، لا سيما في ظلّ تزامنها مع الحراك الأميركي الهادف إلى عزل العراق، وفصل قوى المقاومة فيه عن نفوذ إيران وعمقها الإقليمي.
تميّزت المراسم بحضور رسمي ودبلوماسي وعسكري واسع على أعلى المستويات، من الجانبَين العراقي والإيراني على السواء؛ إذ كان في مقدمة المستقبِلين والمشيّعين رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، والرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف. كما شارك في التشييع قادة «الإطار التنسيقي» البارزون، ومنهم رئيس «ائتلاف دولة القانون»، نوري المالكي، والأمين العام لمنظمة «بدر»، هادي العامري، والأمين العام لحركة «عصائب أهل الحق»، قيس الخزعلي، ورئيس تيار «الحكمة»، عمار الحكيم، إلى جانب زعيم حزب «تقدم» محمد الحلبوسي. وسُجّل أيضًا حضور لافت وخاطف لقائد «قوة القدس» في «الحرس الثوري الإيراني»، إسماعيل قاآني، ومستشار المرشد، محسن رضائي، إلى جانب قيادات «الحشد الشعبي» وممثّلي الفصائل، وممثّلين عن فصائل مقاومة من لبنان وفلسطين، ووفود من سوريا واليمن وإيران، فضلًا عن مشيّعين من دول أوروبية عدة.
كانت بدأت المراسم، ليل أول من أمس، بوصول جثمان السيد خامنئي و4 من أفراد عائلته إلى مطار النجف الدولي، وسط استقبال رسمي وشعبي حاشد. ومن بعدها، نُقل الجثمان إلى صحن الإمام علي لإقامة مراسم الوداع وصلاة الجنازة، قبل أن ينطلق، صبيحة أمس، موكب التشييع الرسمي والشعبي في النجف، وسط إجراءات أمنية وتنظيمية مشدّدة. ومع العصر، انتقل الموكب إلى محطّته الثانية في مدينة كربلاء؛ حيث سلك المسار المعدّ مسبقًا بدءًا من ساحة «سيد جودة»، مرورًا بشارع العباس وديوان المحافظة، وصولًا إلى باب القبلة.
شهدت كلّ من العتبتَين الحسينية والعباسية غلق الأبواب وإفراغ الصحن من المصلّين مؤقتًا لاستقبال الجثمان وإتمام طقوس الزيارة وصلاة الوداع، قبل أن يعود الموكب مجدّدًا في المساء إلى مطار النجف الدولي تمهيدًا لمغادرته نحو مدينة مشهد الإيرانية.
أفاد الإعلام الرسمي لـ«هيئة الحشد الشعبي» بأن التقديرات الأولية لأعداد المشاركين تجاوزت الـ4 ملايين مشيّع في كربلاء وحدها، وسط استنفار تنظيمي وأمني واسع. وفي حين اكتست شوارع المدينتَين بالرايات العراقية والإيرانية، إلى جانب أعلام فصائل المقاومة و«الحشد الشعبي»، وصور خامنئي وقادة المحور، علت الهتافات التي تندّد بقوى «الاستكبار العالمي»، وتؤكد المضيّ في خيار المواجهة معها.
عن طبيعة الإجراءات الميدانية، أفاد رئيس اللجنة التنظيمية للتشييع، اللواء سعد معن، وسائل إعلام منها «الأخبار»، بأن اللجنة «نسّقت بشكل مباشر مع العتبات العلوية والحسينية والعباسية، وقوات الحشد الشعبي، لتأمين المسارات الممتدّة من مطار النجف إلى ساحة (سيد جودة) وديوان محافظة كربلاء، وصولًا إلى منطقة ما بين الحرمين، لإتمام صلاة الوداع والطقوس الدينية بمرونة وانسيابية عالية قبل إعادة الجثمان إلى مطار النجف متوجهًا إلى مشهد».
في تعليقه على مشهد الأمس، يعتبر الباحث السياسي، فالح الماجدي، في تصريح إلى «الأخبار»، أن «هذا الحشد المليوني يمثّل إجهاضًا عمليًا للمشروع الأميركي الساعي إلى عزل العراق ومحور المقاومة عن إيران». ويلفت الماجدي إلى أن «التشييع يتزامن مع صراع داخلي وتجاذب حادّ تعيشه الحكومة العراقية، التي تحاول الموازنة بين ضغوط واشنطن الاقتصادية والسياسية -قبيل الزيارة المرتقبة للزيدي إلى الولايات المتحدة- وبين الثوابت الاستراتيجية والعقائدية للقوى المشكِّلة للحكومة والقريبة من طهران».
يرى أن «المشاركة الرسمية الرفيعة للحكومة العراقية، بحضور قادة الإطار التنسيقي والرئيس بزشكيان وقاآني، تثبت بالدليل القاطع فشل الضغوط الأميركية في فرض فكّ الارتباط؛ حيث تؤكد التوازنات على الأرض أن بغداد حسمت خيارها بالبقاء في قلب معادلة المحور، وأن محاولات التهديد بالعزل لم تعُد قابلة للصرف ميدانيًا».
في السياق نفسه، يعتقد الشيخ محمد الساعدي، أحد رجال الدين والمشيّعين في كربلاء، في تصريح إلى «الأخبار»، أن «هذا الحضور المليوني لجميع مكونات المحور ومن مختلف دول العالم، هو رسالة واضحة ومباشرة تؤكد ثبات المقاومة وجاهزيتها، وفشل كلّ مراهنات الاستكبار على كسر هذا الخطّ بالاغتيالات». ويضيف أن «خروج الجماهير اليوم هو انتصار حقيقي لدماء قادة النصر، وتأكيد على أن اغتيال القادة لا ينهي المسيرة، بل يكرّسها كنهج شعبي وعالمي عابر للحدود، متمسّك بالتحرير الكامل ومواجهة المشاريع الأميركية والصهيونية في المنطقة».