الانقلاب على خطاب القسم: «استراتيجية الأمن الوطني» نموذجاً

post-img

محمد عبيد (صحيفة الأخبار)

كان اسم قائد الجيش العماد جوزاف عون قد صار متداولاً كمرشح من بين المرشحين المحتملين لرئاسة الجمهورية، وكانت قيادة حزب الله قد بدأت بتجميع المعطيات التفصيلية حول كلٍ من هؤلاء المرشحين، خصوصاً ما يتعلق منها بموقفه من المقاومة، إضافة إلى فهمه لتركيبة البلد الطائفية والسياسية، وتباعاً رؤيته لمشروع بناء الدولة.

بالنسبة إلى العماد عون، كانت تجربته كقائد للجيش مع الحزب فيها الكثير من التأرجح بين الإيجابية التي تجسدت في التنسيق المباشر على المستوى العسكري، وبين الاحتكاك السلبي في معظم الأحيان حين يتعلق الأمر بالأحداث الأمنية الداخلية.

على المستوى العسكري، كان التعاون الأول في منطقة الحدود الشرقية مع سوريا، بعد أن قرر عون التحضير لإطلاق معركة «فجر الجرود» التي كانت تنتظر إشارة من حزب الله حول الانتهاء من تحرير منطقة جرود عرسال والتلال المحيطة بها من المجموعات الإرهابية التكفيرية، والتي كان يتباهى عون أنه شارك فيها ضمناً بتغطية مدفعية بعلم الأميركيين. وكان أن رد له حزب الله الجميل بمساندة الجيش اللبناني عملياتياً في «فجر الجرود»، وهي المحطة الأولى الميدانية في مسيرته كقائد جديد للجيش.

لم يقتصر الأمر على ذلك، فقائد الجيش الجديد كان يعلم ويغض النظر عن عمليات نقل الأسلحة والمعدات والتجهيزات اللازمة للمقاومة على بعض معابر الحدود اللبنانية مع سوريا، وهذه شكلت مأثِرة له آنذاك، حتى أن الأبراج التي أسهمت دول غربية متعددة في إنشائها على بعض تلال السلسلة الشرقية بالتنسيق مع قيادته في الجيش لم يصل مدى تغطيتها تلك المعابر. ناهيك بوقائع كثيرة بدأت تتناهى إلى مسامع قيادة الحزب عن أن جوزاف عون يأخذ في الحسبان دور المقاومة وحاجاتها، خصوصاً ضمان حرية حركتها على مساحة الأراضي اللبنانية كافة.

أما على المستوى الأمني، فقد اختلط الأمني بالسياسي، وخصوصاً أن مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق الحاج وفيق صفا حينها لعب أدواراً عميقة وأساسية معلنة وسرية في صياغة مقاربات الحزب ومواقفه من القضايا والأشخاص وخصوصاً منهم الذين هم في صلب مهماته الحزبية، وفي مقدمتهم قائد الجيش أياً كان.

ورغم أن الكيمياء لم تفلح في الجمع بين شخصيتي عون وصفا، غير أن حاجتهما إلى بعضهما البعض كانت دائماً المحرك لتواصلهما الإيجابي أحياناً والسلبي أحياناً أخرى كثيرة، خصوصاً أن هامش الحرية الذي كان ممنوحاً لصفا في حركته مع الكثير من الأطراف السياسية، كان يثير حفيظة عون لجهة ورود معلومات عن عدم استحسان صفا وصوله إلى سدة الرئاسة.

بين هذين الحدين الأمني والعسكري، وفي إحدى جلساتي مع السيد الشهيد هاشم صفي الدين، بادر قائلاً: «أريد أن أسألك، هل يوجد عند صديقك قائد الجيش رؤية لإستراتيجية دفاعية؟» أجبته: «لا علم لدي، ولكني سأسأله.«
في اللقاء الأول مع العماد عون في مكتبه في قيادة الجيش، والذي كنا نعقده أسبوعياً كل يوم سبت، بادرت إلى سؤاله، فأجاب بالتأكيد، مضيفاً أنه في إحدى الدورات العسكرية في الولايات المتحدة الأميركية التي التحق بها كضابط في الصفوف الوسطى، كانت رسالة تخرجه عن حزب الله كحالة مقاومة وطنية نجحت في تحرير الأرض دون شروط.

يوم الإثنين الذي تبعه، أوفد عون إلى منزلي أحد ضباطه ومعه نسخة عن نظرية «استراتيجية الأمن الوطني اللبناني» التي أشرف على إعدادها في كلية القيادة والأركان في الجيش اللبناني في 5/6/2018، والتي قامت بصياغتها لجنة مكلفة، برز منها اسم الدكتور علي فضل الله، والتي تابع إنجازها قائد الكلية آنذاك العميد بسام ياسين، كما ورد حرفياً في نص تلك النظرية المرفق.

في اليوم نفسه، أرسلتها إلى السيد صفي الدين، وما هي سوى أيام قليلة حتى أرسل بطلبي ليبلغني أنه أطلع السيد الشهيد حسن نصرالله الذي علق: «دراسة جيدة كمنطلق للنقاش حول الاستراتيجية الدفاعية التي دائماً ما طالبنا بإقرارها، ولكنها غير كافية ويجب التوسع بها». ليعود السيد صفي الدين ويقول: «فكرة صياغة استراتيجية أمن وطني موسعة خطوة مهمة»، ثم ليسأل: «من خلال حواراتك معه، كيف ينظر عون إلى سلاح المقاومة؟»

طبعاً كان من غير الممكن اختصار الجواب، لذا سأورد بعضاً مما جاء فيه، إذ قلت له: أخبرني العماد عون أنه قال للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حين التقاه في الإليزيه، بعد سؤال الأخير له: ماذا ستفعل مع حزب الله في حال وصولك للرئاسة، قال: «هؤلاء شباب حرروا الجنوب، ولولاهم لما عدت إلى ضيعتي، سأجد وسيلة للتفاهم معهم». وأضفت أنه يعتقد أن سلاح المقاومة هو الضمانة إلى جانب الجيش في مواجهة الخطر الإرهابي التكفيري الكامن على الحدود الشرقية الشمالية، وكذلك لمنع إلزام لبنان بتوطين الفلسطينيين، وعلى أي حال الحوار المباشر بينكم وبينه حول مجمل هواجسكم أمر ضروري في حال قررتم دعم ترشيحه لرئاسة الجمهورية.

لكن الأهم هو ما توقف عنده السيد صفي الدين في مقدمة مقترح استراتيجية الأمن الوطني اللبناني، أقتبسه حرفياً، تحت عنوان، أولاً- التعريف:

«استراتيجية الأمن الوطني اللبناني، هي (مستند يصدر عن السلطة السياسية من أجل) تطوير واستخدام وتنسيق أدوات وعناصر القوة الوطنية لتحقيق الأهداف التي تساهم في حماية وضمان الأمن والمصالح الوطنية للدولة والشعب اللبناني».

انطلاقاً من ذلك ومن محطات أخرى سيأتي وقت الكشف عنها لتبيان الحقائق في ما يتعلق بالرئيس عون وحزب الله، كانت الفقرة التي تضمنها خطاب القسم حول تلك الاستراتيجية استكمالاً لما سبق ودار من حوارات مع العماد قبل رئاسته، والتي تقول حرفياً: «عهدي أن أدعو ألى مناقشة سياسة دفاعية متكاملة كجزء من استراتيجية أمن وطني على المستويات الديبلوماسية والاقتصادية والعسكرية بما يمكّن الدولة اللبنانية، أكرر الدولة اللبنانية، من إزالة الاحتلال الإسرائيلي ورد عدوانه عن كافة الأراضي اللبنانية».

حين أوردت مضمون هذه الفقرة في المسودة الأولى لخطاب القسم، تناقشت مطولاً مع العماد عون حول الغاية منها، وقلت له إنه لا يمكن دفع حزب الله للجلوس إلى الطاولة لمناقشة موضوع سلاحه إن لم نمنحه اطمئناناً بأن الهدف ليس نزع هذا السلاح ولا تسليمه، وإنما البحث حول كيفية الاستفادة منه كجزء من «القوة الوطنية» لضمان حماية لبنان والدفاع عنه في ظل وجود مخاطر كثيرة تحيط به، وإن هذه الفقرة هي الممر الأسهل لإقناع الحزب بمبدأ حق الدولة في امتلاك قرار الحرب والسلم وحدها، وبالتالي إن تثبيت الفقرة المذكورة في خطاب القسم جاء بناءً على قناعة العماد عون حينها وخلال وبعد الصياغة الأخيرة لخطاب القسم، وإلا لما كان وافق على تكريسها في هذا الخطاب.

ومن الضروري الإشارة إلى أن الفقرة التي سبقت موضوع استراتيجية الأمن الوطني، لم تتضمن مطلقاً تعبير «حصرية السلاح» أو فكرة «نزع السلاح» ولو تلميحاً، وإنما وردت حرفياً كالتالي: «عهدي أن أمارس دوري كقائد أعلى للقوات المسلحة وكرئيس لمجلس الدفاع الأعلى بحيث أعمل من خلالهما على تأكيد حق الدولة في احتكار حمل السلاح...» وهو تعبير مطاط يحتمل التفسير والتأويل، لذا تم استباق أي محاولة للاستثمار فيه من قبل أعداء المقاومة وأخصامها من خلال فقرة الاستراتيجية التي تلتها.

عاطفتي الشخصية تجاه أخ وصديق جمعنا الإيمان بإمكانية قيام مشروع لإنقاذ لبنان من مطامع أعدائه الذين يتربصون به، كذلك من براثن منظومة التسلط والفساد التي أفقرت اللبنانيين ودمرت طموحات أجيالهم، تدفعني إلى عدم التصديق أن الرئيس جوزاف عون انقلب على العماد جوزاف عون... غير أن الانقلاب قد حصل فعلاً، ليس فقط على الثوابت الوطنية والتعهدات الخطابية، وإنما على الصيغة اللبنانية بأكملها، وهو ما يهدد مستقبل الوطن، وبالتالي لم تعد الدوافع مهمة وإن وجد البعض لها تبريراً بالضغوطات الخارجية، فالحدث الجنوبي جلل والواقع خطير والمصير مجهول، ولملمة ما تبقى تحتاج إلى رجال دولة بحجم الوطن وبعمق الإيمان به وبقوة التحدي لإخراجه من أتون النار التي تأكل ثقة اللبنانيين ببعضهم البعض وقناعتهم بإمكانية استمرار العيش سوياً بلا تكاذب ولا استقواء... أين هم هؤلاء الرجال؟

*المدير العام السابق لوزارة الإعلام

مسودة استراتيجية الأمن الوطني التي وافق عليها عون

في ما يأتي نص مسودة «استراتيجية الأمن الوطني اللبناني» التي أعدت بطلب من العماد جوزاف عون يوم كان قائداً للجيش، علماً أنه بعد انتخابه رئيساً للجمهورية، عاد وطلب توسيع عمل اللجنة لتضم خبراء آخرين، منهم ضباط سابقون في الجيش وديبلوماسيون لبنانيون، لكن البحث عاد وتوقف بعد سير عون بقرارات 5 آب 2025، وعندها اعتذر عدد من المشاركين عن مواصلة البحث بعدما أبلغوا عون بأنه يبدو أنه قرر السير بتطبيق الاستراتيجية بعكس ما يفترض، وذهب مباشرة إلى نزع سلاح المقاومة.

ورقة عام 2018

د. علي فضل الله - 2018

بناءً على الاقتراح المقدم بتاريخ 5/6/2018 حول اقتراح نظرية «الأمن القومي اللبناني»، وبناء على مُوافقة قائد الجيش العماد جوزيف عون على الاقتراح، ومتابعة قائد كلية فؤاد شهاب للقيادة والأركان العميد الركن بسام ياسين
وبناءً على محاضر اللجنة المكلفة صياغة ما تمت تسميته توافقياً «استراتيجية الأمن الوطني اللبناني».
نطرح الإطار التالي، وهو خلاصة جهود الشهور الماضية:

أولاً: التعريف

استراتيجية الأمن الوطني اللبناني هي مستند يصدر عن السلطة السياسية من أجل تطوير واستخدام وتنسيق أدوات وعناصر القوة الوطنية لتحقيق الأهداف التي تساهم في حماية وضمان الأمن والمصالح الوطنية للدولة والشعب اللبناني.

ثانياً: الأهداف الوطنية

أمن وسلامة الوطن، أرضاً وشعباً ومؤسسات، في حدوده المنصوص عنها في الدستور والمعترف بها دولياً، وتحرير ما تبقى من أرضٍ لبنانية محتلة، وحماية وطننا من العدو الإسرائيلي الذي لا يزال يطمع بأرضنا ومياهنا وثرواتنا الطبيعية.

حماية الاستقرار الأمني، وأول مقوماته الوحدة الوطنية، والتعامل مع الإرهاب استباقياً وردعياً وتصدياً.

حماية الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، والعدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل، وفي إطار فرادة لبنان كوطن مجتمع تعدديٍّ متوازن.

تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والإنماء المتوازن للمناطق ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً.

تمت صياغة التعريف حرفياً بالاستفادة من عدد غير قليل من استراتيجيات الأمن الوطني في العالم، ومواءمتها مع ظروف لبنان.

تمت صياغة الأهداف الوطنية بناء على خلاصة ما ورد في الدستور، وفي خطاب القسم، وفي البيانات الوزارية.

● مخاطر صدام بين إيران والسعودية.

● صفقة غير متوازنة لتسوية النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي».

ت- التهديدات.

● العدو الإسرائيلي.

● الإرهاب.

3. البيئة الدولية

أ. التحديات.

● التدخل الخارجي (التدخل التاريخي للسفارات).

● الاحترار العالمي.

ب – المخاطر.

● الأمن السيبراني.

● الأمن النووي العالمي.

● مخاطر صدام بين الولايات المتحدة وإيران.

● أمن الطاقة والمضائق.

● القيم الثقافية الخطيرة (حماية الأداب العامة والأسرة).

ت – التهديدات: لا تهديدات داهمة.

ثالثاً: مستويات الأمن الوطني

البيئة الداخلية.

أ - التحديات.

● الأزمات الاجتماعية (البطالة).

● الانقسام السياسي.

● الخدمات الأساسية.

ب - المخاطر.

● النزوح السوري.

● التوطين.

● الخطاب الطائفي.

● الأزمات البيئية.

● المخدرات.

ت - التهديدات.

● الدين العام.

● الإرهاب (في الداخل).

● الفساد.

● التعامل مع العدو.

2 - البيئة الإقليمية.

التحديات.

التصحر والأمن المائي.

الأمن الإقليمي.

ب - المخاطر.

● الأزمة في سوريا.

● الأزمة في العراق.

كل عنصر من هذه العناصر يخضع للصياغة الموقف منه عند إقرار الإطار العام للاستراتيجية.

رابعاً: الفرص

1 - البيئة الداخلية.

أ - تنامي الثقة بالمؤسسة العسكرية.

ب - وعود النفط.

ت - قدرة الاستقطاب لدى القطاع الصحي.

ث - قدرة الاستقطاب لدى الجامعات في لبنان.

2. البيئة الإقليمية.

- عودة الاستقرارإلى سوريا.

3 - البيئة الدولية.

- التعاون في مكافحة الإرهاب.

لم يتم تحديد تهديدات داهمة تطال الأمن الوطني اللبناني.

تم تبني تعريف للفرص متعلق باقتناص الفرص خلال الفترة التي تغطيها الاستراتيجية، وليس تعريف متعلق بخلق الفرص بالاستفادة من القدرات الكامنة في الوطن.

خامساً: عناصر الأمن الوطني.

1 - العسكري والأمني والسيبراني.

2 - السياسي والدبلوماسي.

3 - الاقتصادي والمالي.

4 - البيئي.

5 - الاجتماعي والإعلامي والقضائي.

6 - الطاقة والبنية التحتية.

7 - المائي والغذائي.

تم حصرها في سبعة عناصر بناءً على طبيعة وتساوق العناصر مع الواقع اللبناني، وتركز على القدرات.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد