اوراق مختارة

الهاتف الذكي هروب من الواقع... مشاكل اجتماعيّة وغياب التواصل العائلي

post-img

ربى أبو فاضل (صحيفة الديار)

لم يعد الهاتف الذكي مجرد وسيلة للاتصال أو تبادل الرسائل، بل أصبح نمط حياة يسيطر على روتين الأفراد وعلاقاتهم الاجتماعية، وحتى طريقة تفكيرهم. فهو نافذة لا تغلق على العالم الافتراضي، متجاوزا دوره الأساسي ليصبح أداة تتحكم بالوقت والانتباه وجودة الترابط الإنساني. وفي لبنان، كما في كثير من بلدان العالم، يتفاقم هذا التحول في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية ونفسية متراكمة، جعلت من الهاتف ملاذا للهروب النفسي، أكثر من كونه وسيلة تواصل.

ساعات طويلة تقضى أمام الشاشات على حساب الحوار العائلي، والتركيز الدراسي، والصحة النفسية، وسط غياب شبه تام لثقافة الاستخدام الواعي، أو سياسات تربوية وتنظيمية تحد من هذا الانزلاق الصامت. فمع تزايد الاعتماد على الهواتف الذكية بين مختلف الفئات العمرية، خصوصا الأطفال والمراهقين، تتجلى آثار مقلقة تشمل العزلة الاجتماعية، اضطرابات النوم، ضعف الانتباه، وتغير أنماط السلوك والعلاقات داخل الأسرة والمجتمع.

هذه التأثيرات لا تظل مجرد فرضيات نظرية، بل تتجسد يوميًا في حياة اللبنانيين من مختلف الأعمار، حيث يواجه كل منهم تحديات مختلفة، نتيجة هذا الاعتماد المستمر على الهواتف الذكية.

اللقاءات العائلية أصبحت أقل دفئًا

شادي طالب جامعي يؤكد أن الهاتف يسرق منه الوقت دون فائدة تذكر، مضيفا "أستيقظ صباحا وأتحقق من الشاشة قبل أي شيء، وأجد نفسي أتصفح الإنترنت لساعات دون هدف. وحتى أثناء الدراسة، أجد نفسي أتحقق من الرسائل والإشعارات باستمرار، ما يؤثر في تركيزي ودرجاتي".

بدوره أشار علاء وهو موظف في إحدى الشركات الخاصة، إلى أن "الهاتف أصبح جزءا من يومي في العمل، لكنه يشتت تركيزي ويجعلني أقل إنتاجية، وأحيانا أشعر بالإرهاق من كثرة الإشعارات والرسائل."

أما نبيلة وهي أم لأربعة شبان هاجروا إلى الخارج من أجل العمل، فتؤكد أنها تستخدم الهاتف كثيرا للتواصل مع ابنائها في الخارج، مضيفة "الهاتف يجعلني متصلة بهم، لكنه لا يعوض اللقاءات الحقيقية".

في المقابل، تشعر عليا بالقلق لان طفلها يقضي وقتا طويلا على الهاتف والتابلت، "وأصبح من الصعب إشراكه في اللعب أو الحديث الحقيقي معنا".

بدورها، تقول سعاد وهي سيدة مسنة تعيش وحدها منذ سنوات، "ألاحظ أن لقاءاتنا العائلية أصبحت أقل دفئا وجودة، وأحيانا أشعر أننا نتحدث وكأننا غرباء، فبات الهاتف رفيقي الوحيد لملء الفراغ".

الهروب من ضغط الواقع

لكن هذه التأثيرات لا تحدث من فراغ، بل هي نتيجة تراكم عوامل اقتصادية واجتماعية وتقنية، ساهمت في تحويل الهاتف من أداة للتواصل، إلى محور أساسي في حياة اللبنانيين. فارتفاع الأسعار، وتراجع فرص العمل، وتدهور الخدمات الاجتماعية، دفعت كثيرين إلى استخدام الهاتف كمساحة للهروب النفسي من ضغط الواقع، سواء عبر متابعة الأخبار أو الترفيه.

وقد تعزز هذا الدور خلال جائحة كورونا وما بعدها، مع انتقال التعليم والعمل إلى النمط الرقمي، ما حول الهاتف من وسيلة تواصل إلى أداة أساسية للدراسة والعمل. إلى جانب ذلك، أسهم التصميم الجاذب للتطبيقات والخوارزميات المعتمدة، في شد انتباه المستخدم لأطول وقت ممكن في تكريس الاعتمادية على الهاتف، بحيث لم يعد مجرد جهاز، بل مصدرا دائما للتحفيز المتواصل عبر الأخبار والفيديوهات والإشعارات.

وللتأكد من حجم هذا الانتشار وتأثيره في المجتمع، يكشف استطلاع لمركز "بيو" للأبحاث عام 2018 ((Pew Research Center ومقره الولايات المتحدة، عن أرقام مثيرة حول استخدام الهواتف الذكية في لبنان، ومخاوف اللبنانيين من آثارها السلبية. فقد أظهر أن لبنان سجل من أعلى معدلات استخدام الهواتف الذكية والإنترنت بين 11 سوقا ناشئا، إذ يمتلك 89% من اللبنانيين هاتفا خليويا، ويستخدم 86% من مالكيه هواتف ذكية، وهي النسبة الأعلى بين الدول المشمولة، مما يعكس مدى انتشار الهواتف والتطبيقات في الحياة اليومية.

في المقابل، أظهر الاستطلاع أن اللبنانيين البالغين عبروا عن قلقهم إزاء مجموعة واسعة من الآثار السلبية لاستخدام الهواتف الخليوية في عام 2018، أبرزها تعرض الأطفال لمحتوى ضار (79%)، والإدمان على الهاتف الخليوي (56%)، وسرقة الهوية (56%).

إجراءات للحماية

هذه الأرقام، التي تعكس الانتشار الواسع للهواتف الذكية، تتقاطع مع ما يلاحظه الخبراء من تأثيرات ملموسة في مختلف شرائح المجتمع اللبناني، حيث أكد اختصاصي في علم النفس وعلم الاجتماع، فضل عدم الكشف عن اسمه، أن "تأثير الهواتف الذكية لم يعد محصورا بفئة عمرية أو اجتماعية محددة، بل شمل مختلف شرائح المجتمع اللبناني، وإن بأشكال متفاوتة. فالأطفال باتوا أكثر عرضة لتشتت الانتباه وتأخر المهارات الاجتماعية، نتيجة الاستخدام المبكر والمفرط، فيما يواجه المراهقون تحديات مرتبطة بتقدير الذات والمقارنة الاجتماعية والضغط النفسي الناتج من وسائل التواصل. أما البالغون فيعانون من تراجع جودة العلاقات الأسرية والاجتماعية، وارتفاع مستويات القلق والإرهاق الذهني، إضافة إلى تأثيرات مباشرة في الإنتاجية في العمل".

ومع إدراك هذه التأثيرات في الأطفال، بدأت عدة دول حول العالم باتخاذ إجراءات، لحمايتهم من المخاطر المرتبطة بالهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي. فقد أعلنت أوستراليا أنه ابتداء من 10 كانون الأول 2025 لن يسمح للأطفال دون 16 عاما بامتلاك حسابات على منصات، مثل "يك توك" و "فيسبوك" و "إنستغرام" و "يوتيوب"، مع فرض غرامات تصل إلى 50 مليون دولار على الشركات المخالفة.

كما حظرت فرنسا الهواتف الذكية في المدارس الابتدائية والإعدادية، وفرضت رقابة على الحسابات للأطفال دون 13 عاما. ووضعت إيطاليا حدا أدنى لإنشاء الحسابات عند 14 عاما. بينما تعمل النرويج والمملكة المتحدة على تقييد وقت الشاشة، وتعزيز الرقابة الأبوية والأدوات التعليمية الرقمية للأطفال دون 13 عاما.

تعزيز الحوار والتواصل

ويشير الاختصاصي إلى أن "هذه الإجراءات رغم أهميتها، لا تغطي كل التأثيرات، فحتى كبار السن الذين لجؤوا إلى الهواتف للبقاء على تواصل مع محيطهم، يواجهون مخاطر العزلة الرقمية، بسبب قضاء وقت طويل أمام الشاشة بدلا من اللقاءات الحقيقية، خاصة لدى من يعيشون بمفردهم، أو لديهم شبكات دعم اجتماعية ضعيفة. كما ان الكثير منهم يواجهون صعوبة في استخدام التطبيقات المعقدة، أو في فهم مخاطر الاستخدام المفرط، ما يجعلهم أكثر عرضة لمضايقات المحتوى والمعلومات المضللة".

وشدد على أن "الهاتف رغم فوائده التواصلية والمعرفية، تحول إلى عامل مؤثر في أنماط السلوك والعلاقات الاجتماعية والصحة النفسية، ما يستدعي مقاربة توعوية وتنظيمية، تحد من آثاره السلبية، دون إغفال دوره في الحياة المعاصرة".

وأضاف الاختصاصي "مع إدراك هذه المخاطر وتأثيرها على مختلف فئات المجتمع، تبرز الحاجة إلى اعتماد حلول عملية وتوصيات واقعية، للحد من آثار الهواتف الذكية السلبية، دون إنكار دورها في الحياة المعاصرة، تبدأ بحملات توعية في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، حول الاستخدام الصحي للهواتف، وتحديد أوقات خالية من الشاشات للحياة الأسرية، إلى جانب تبني قاعدة مثل "ساعة عائلية بلا هواتف يوميًا" ، لتعزيز الحوار والتواصل الواقعي داخل المنازل، كما يمكن دعم الأنشطة الاجتماعية والرياضية في الأحياء والنوادي والمساجد والكنائس، لتشجيع اللقاءات الوجاهية وتقليل الوقت أمام الشاشات، إضافة إلى تنظيم ورش تعليمية مبسطة لكبار السن حول استخدام الهاتف بشكل فعال وآمن، بحيث يظل وسيلة للتواصل دون أن يطغى على الحياة الواقعية.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد