ندى عبد الرزاق (صحيفة الديار)
بات ثابتا ان في عالم التغذية اليوم، يصبح التباين والجدل جزءا لا يتجزأ من أي موضوع يُطرح على الطاولة، حتى لو كان بسيطًا مثل نوع الحليب الذي يستهلكه الإنسان يوميا. ما يثير الانتباه ليس فقط محتوى الغذاء ذاته، بل طريقة تناول المعلومات والتفسيرات المتضاربة التي تتوالى على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. في بعض الأحيان، يُعرض منتج على أنه ضار وغير صحي، وفي اليوم التالي نراه يُشاد به ويُروج له، مما يضع المستهلك في حالة من الحيرة وعدم الثقة.
"زمن العجايب يتوالى"!
لذا، يعكس هذا النمط من الازدواجية حقيقة العصر الذي نعيشه: عالم مبني على المادة والمنفعة الاقتصادية، حيث تستثمر الشركات مبالغ ضخمة في التسويق عبر المؤثرين في شبكات التواصل الاجتماعي، أحيانا بغض النظر عن التزام المنتجات بمعايير الصحة العالمية. وبينما يتفاعل الجمهور مع كل تصريح أو دراسة جديدة، يتزايد الضغط على الإعلاميين والخبراء لتفسير الأمور بشكل علمي دقيق، مع اجلاء الحقائق بعيدا عن الضجيج التسويقي والمبالغات العاطفية.
ليس كل ما يقال صحيحا!
وبناء على ما تقدم، عندما يُطرح موضوع حساس ودقيق مثل تبيان الاختلاف بين نوعين من الحليب أو أي مادة غذائية أخرى، يصبح من الضروري توجيه الضوء نحو الحقيقة العلمية، بعيدا عن التشويش، وتقديم المعلومات بشفافية وموضوعية. ومن هذا المنطلق، فان الهدف ليس إثارة الخوف أو التسويق المخادع، بل كشف ما هو مؤكد علميا وما هو قابل للنقاش، لتزويد الجمهور بأدوات تمكنه من اتخاذ قرارات واعية بشأن صحته وغذائه. هذا التناقض بين الهجوم اليوم والتأييد غدا يعكس واقعا أعمق في صناعة الغذاء والإعلام: عالم يتحرك بسرعة، حيث الحقيقة العلمية تصبح أحيانًا ضحية للمصالح الاقتصادية، والتفاعل الجماهيري يعتمد على الانطباع اللحظي أكثر من الدليل العلمي.
معرفة الحقيقة "مش وجهة نظر" انما واجب مهني!
وفي هذا السياق، تُعرب اختصاصيةُ التغذية جاكي قصابيان عن استغرابِها للضجة المثارةِ حول حليب A1 وA2، وخصوصا في هذا التوقيتِ، موضحةً أنَّ: "الاختلافَ بينَ النوعين يكمنُ في ترتيبِ الأحماضِ الأمينية في بروتينِ بيتا-كازين، حيث يختلفُ موقعُ الحمضِ الأمينيِّ "إيستيدين" في A1 مقارنةً بـ A2، مع استبداله أحيانا بـ "برولين".
وتؤكد لـ"الديار" أنَّ: "هذا لا يعني غيابَ الإيستيدين في A1، مشيرةً إلى أنَّ كلا النوعين يُوفِّران الوحداتِ الحراريةِ نفسها، الدهونِ، الكالسيومِ، والفيتاميناتِ. وتوضح أنَّ حليبَ A2 قد يكون أسهلَ للهضمِ لدى الأشخاصِ الذين يعانون من حساسيةٍ خفيفةٍ أو صعوبةٍ في هضمِ اللاكتوز، إلا أنَّ تأثيرَ ذلك يختلفُ من شخصٍ إلى آخر".
اضرار وامراض بالجملة!
وتضيف: "أنَّ حليبَ A1 عند الهضم قد ينتجُ ببتيدَ BCM-7، وهو ببتيدٌ ارتبطت بعضُ الدراساتِ بشكلٍ محدودٍ بمخاطرَ محتملةٍ مثل أمراضِ القلبِ والسكر وبعضِ الحالاتِ العصبيةِ، بينما نفت دراساتٌ أخرى أيَّ صلةٍ مباشرةٍ، مؤكدة أنَّ الكميةَ الناتجةَ من BCM-7 منخفضةٌ جدًّا، وأنه لا توجد دراساتٌ مؤكدةٌ تثبتُ تسببَ هذا الببتيد بأيٍّ من هذه الأمراضِ".
A1 أو A2؟
وتختتم حديثَها قائلةً: "من وجهةِ نظري، لا يوجد ما يستدعي الخوفَ أو الهلعَ من استهلاكِ حليبِ A1 أو A2، بعضُ الأشخاصِ قد يشعرون براحةٍ أكبرَ عند تناولِ A2 إذا كانوا يعانون من حساسيةٍ تجاه اللاكتوز، لكن هذا يظلُّ مسألةً فرديةً".
في النهاية، نفتح اليوم ملفا يهم الرأي العام، يأتي ذلك في وقت نرى فيه الكثير من المنتجات غير المطابقة للمعايير واستخدام مواد قد تكون مؤذية. من هنا، كان هدفنا دائما توضيح الحقائق بالبراهين والدراسات والأبحاث العلمية للرأي العام، نظرا إلى دقة وحساسية هذا النوع من القضايا التي تهم الصحة العامة في البلاد. واليوم نضع هذه الحقيقة بين أيدي المواطنين الذين تواصلوا معنا لمعرفة مدى صحة الإشاعات حول أصناف الحليب ليس فقط في الأسواق اللبنانية وانما أيضا الأسواق العربية والعالمية.
لذلك، نعرض هذه المعطيات لمعرفة مدى صحة الإشاعات لأن واجب الإعلام اليوم ليس مجرد نقل الأخبار، بل كشف الحقائق التي تؤثر في صحة الناس وحياتهم اليومية.