نشرت جمعية «جنوبيون خضر» مقطع فيديو يوثّق استهدافًا إسرائيليًا مباشرًا لقلعة الشقيف، معتبرةً أن ما جرى يشكّل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي الإنساني. وأوضحت الجمعية في بيانها أن القلعة «مشمولة بالحماية المعززة بموجب اتفاقية لاهاي، وهي من أعلى مستويات الحماية الدولية الممنوحة للمواقع الثقافية أثناء النزاعات المسلحة»، ووصفت الاستهداف بأنه «جريمة حرب» و«شكل صارخ من الإبادة الثقافية الممنهجة التي يعتمدها الاحتلال في جبل عامل». كما طالبت الجمعية منظمة اليونسكو والمجتمع الدولي بـ«التحرّك الفوري قبل أن يُمحى جزء لا يُعوّض من التراث الإنساني تحت وقع الصمت الدولي المتواطئ».
رمزية جنوبية
تتجاوز قلعة الشقيف بعدها الأثري والعسكري لتتحول، في الوعي اللبناني وخصوصًا الجنوبي، إلى رمز للصمود والمقاومة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. وتكرّست هذه الرمزية خلال معركة الشقيف في حزيران (يونيو) 1982، مع بداية الاجتياح الإسرائيلي للبنان، حين خاض مقاومون فلسطينيون ولبنانيون مواجهة شرسة داخل القلعة ضد وحدات من لواء غولاني الإسرائيلي، واستمرت المعارك أيامًا رغم القصف الجوي والمدفعي المكثف.
سرعان ما تحولت المعركة إلى واحدة من أبرز محطات الاجتياح حضورًا في الذاكرة السياسية والعسكرية اللبنانية، بسبب حجم الخسائر التي تكبدتها القوات الإسرائيلية، وصمود المدافعين عن القلعة حتى اللحظات الأخيرة.
خلال الفترة الممتدة بين عامَي 1982 و2000، استخدمت القوات الإسرائيلية و«جيش لبنان الجنوبي» القلعة موقعًا عسكريًا نظرًا إلى موقعها الاستراتيجي المرتفع والمشرف على مساحات واسعة من الجنوب، ما جعلها هدفًا دائمًا لعمليات المقاومة اللبنانية. وبعد التحرير عام 2000، اكتسبت القلعة بعدًا رمزيًا إضافيًا بوصفها شاهدًا على نهاية الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني.
استهداف مباشر للآثار
منذ بدء الحرب الإسرائيلية على لبنان في تشرين الأول (أكتوبر) 2023، تكررت الاعتداءات على مواقع أثرية وتراثية في الجنوب اللبناني. وفي 14 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، أعلنت منظمة اليونسكو إدراج 34 موقعًا ثقافيًا لبنانيًا ضمن نظام «الحماية المعززة» المنصوص عليه في اتفاقية لاهاي لعام 1954، نتيجة المخاطر الناجمة عن التصعيد العسكري الإسرائيلي. وشملت هذه المواقع مدينة صور الأثرية وقلعة شمع، مع تحذيرات من الغارات التي استهدفت محيط مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي.
في آذار/مارس الماضي، أصابت غارة إسرائيلية محيط الموقع الأثري في صور، ما أدى إلى أضرار مادية عند مدخل الموقع، ودفع وزارة الثقافة اللبنانية إلى مطالبة اليونسكو بالتدخل العاجل لحماية المدينة التاريخية. كما تسببت الغارات المتكررة قرب الموقع بهزّات وانفجارات تهدد البنية الأثرية القديمة، فضلًا عن تضرر مبانٍ عثمانية وتاريخية داخل المدينة القديمة.
في نيسان/أبريل الماضي، دمّرت القوات الإسرائيلية مقام «النبي شمعون الصفا» الديني في بلدة شمع بقضاء صور جنوبي لبنان، وسط مخاوف عبّرت عنها وزارة الثقافة اللبنانية من تعرض أجزاء من القلعة التاريخية للتدمير، بعد تقارير تحدثت عن عمليات عسكرية داخل الموقع الأثري.
كذلك، تعرّض سوق النبطية القديم لغارات إسرائيلية خلال تشرين الأول (أكتوبر) 2024، ما أدى إلى تدمير أجزاء واسعة منه، بينها مبانٍ تاريخية تعود إلى الحقبة العثمانية. كما وثّقت تقارير أممية وإعلامية أضرارًا لحقت بمبانٍ دينية وتراثية في القرى الحدودية الجنوبية، من بينها كنائس تاريخية في يارون ودردغيا، ومسجد بليدا التاريخي، ومقام النبي بنيامين في محيبيب، إضافة إلى أضرحة ومقامات دينية أخرى.