عباس قبيسي (صحيفة البناء)
لم تكن الزيادة الأخيرة على المحروقات مجرد رقم يُضاف إلى جدول الأسعار، بل كانت صفعة جديدة على وجه القدرة الشرائية المنهكة أصلاً. 361,000 ليرة إضافية على صفيحة البنزين ليست تفصيلاً تقنياً في قرار مجلس الوزراء، بل تحوّل مباشر في ميزان المدفوعات اليومية للمواطن الذي بات يقيس أيامه بين محطة الوقود وسوبر ماركت الحي.
بموجب قانون الموازنة العامة للعام 2026 تمّ منح الحكومة العتيدة حق التشريع في الحقل الجمركي بحسب المادة 55، مما يسمح لها بفرض اي ضريبة جمركية او رسم جمركي بمرسوم على جميع المحروقات والبنزين تحديداً دون الرجوع الى مجلس النواب في بلدٍ يستورد تقريباً كلّ شيء، والبنزين هو العمود الفقري وحجر الرحى لحركة الاقتصاد، فكلّ سلعة تُنقل على الطرقات، وكلّ شاحنة تعبر المسافات بين المرفأ والأسواق، وكلّ مولد كهربائي يملأ فراغ عتمة الدولة جميعها تعمل على المحروقات وحين ترتفع كلفة الوقود، تجرّ خلفها سلسلة طويلة من الزيادات الصامتة التي سيدفعها المواطن.
الزيادة الأخيرة تعني عملياً أنّ العامل الذي يحتاج إلى تنقل يومي سيدفع شهرياً ما يوازي 20% زيادة من راتبه المتآكل أصلاً، وأنّ كلفة النقل سترتفع على الطلاب والموظفين والتأثير المباشر لن يتأخر فالتجار بحكم واقع السوق، يسارعون إلى احتساب كلفة النقل الجديدة ضمن أسعار السلع والطحين والخضار واللحوم والدجاج ومواد التنظيف والحلويات وحتى ربطة الخبز، كلها ستشهد زيادات متفاوتة وقد لا تكون الزيادة متناسبة دائماً مع الكلفة الفعلية، إذ يتسلّل مناخ الخوف والتوقع إلى السوق، فيتحوّل الارتفاع إلى فرصة لرفع هامش الربح عند تجار الأزمات تحت عنوان “تقلب الأسعار”.
المواطن وحده يقف في منتصف هذه الدائرة المغلقة، راتبه ثابت أو شبه ثابت والستة رواتب التي سيحصل عليها موظف الدولة لن تدخل في صلب الراتب، بينما الأسعار متحركة ارتفاعاً كعقارب الساعة لا ترحم والزيادة التي حصلت أخيراً على أبواب شهر رمضان المبارك وزمن الصوم الكبير قد تبدو رقماً متواضعاً في حسابات الدولة، لكنها في جيبة الموظف تعني تقليصاً جديداً في الإنفاق على أكله وشربه وتقنيناً في زياراته وتأجيل شراء دواءه وترحيل جزء من أقساطه.
الأخطر من الزيادة نفسها هو غياب أيّ شبكة أمان موازية، لا تصحيح أجور يتناسب مع التضخم وارتفاع الاسعار، ولا محاسبة ورقابة جدية، ولا خطة نقل عام في جهات الوطن الأربع تخفف الاعتماد القاتل على السيارات الخاصة، وهكذا يصبح البنزين معياراً جديداً لقياس عمق الأزمة كلما ارتفع انخفضت قدرة الناس على الصمود.
لسنا أمام رقم عابر، بل أمام حلقة إضافية في مسلسل استنزاف يومي طويل بدأ منذ العام 2019 ولغاية اليوم، فحين ترتفع كلفة الطاقة في اقتصاد هشّ، تتسع الفجوة بين الدخل وكلفة المعيشة، والسؤال الذي يفرض نفسه ليس كم سيصبح ثمن صفيحة البنزين غداً إذا ارتفع سعر برميل النفط عالمياً نتيجة الظروف الإقليمية المتوتره التي تحيط بنا، بل كم تبقّى في جيبة المواطن من قدرة على التكيّف والتحمّل؟
ختاماً، في وطنٍ يتآكل فيه الراتب أسرع من احتراق الوقود، هل يدرك المعنيون أنّ كلّ زيادة من دون دراسة للأثر الاقتصادي والاجتماعي هي خطوة إضافية نحو إفقار أعمق، وهل يعي صُنّاع القرار أنّ في بلد يرزح تحت تضخّمٍ قياسي كلبنان، يصبح رفعُ الضرائب لتمويل الخزينة انتهاكاً لأبسط قواعد الاقتصاد لا علاجاً لأزمته؟