عباس قبيسي (صحيفة البناء)
لم تعد أزمة الكهرباء في منطقة النبطية ومحيطها أزمة عابرة ومسألة تقنين قاسٍ أو عجز مالي، بل تحوّلت إلى حالة مزمنة تُدار أكثر مما تُعالج، وتُرحَّل أكثر مما تُحل، هي أزمة تكشف بوضوح مؤلم، حجم التآكل الذي أصاب البنية التحتية وعمق الخلل في إدارة قطاع يُفترض أن يكون العمود الفقري لأي استقرار اجتماعي أو اقتصادي.
في النبطية، لا تأتي العتمة فجأة، بل تستقر وتصبح جزءاً من اليوميات، ومن أساسيات اطراف الحديث ومن اعتياد الناس على الاستثناء بوصفه قاعدة ومع الوقت، لا يعود السؤال متى تأتي الكهرباء، بل كيف يمكن تدبير الحياة في غيابها؟
تعاني النبطية من تدنٍّ حاد في التغذية الكهربائية، شأنها شأن باقي المناطق اللبنانية، إلا أن خصوصيتها تكمن في هشاشة الشبكات وضغط الأحمال عليها، فالإنتاج المتراجع للطاقة ينعكس مباشرة تقنيناً طويلاً، لكن المشكلة الأعمق تكمن في أن الشبكة نفسها لم تعد قادرة على تحمّل ما يُطلب منها. خط التوتر العالي 66,000 كيلوفولت، الذي يُفترض أن يكون شريان التغذية الأساسي للمنطقة، بات عاجزاً عن مواكبة الطلب على هذا الخط الذي تجاوز عمره التقني وأصبح مصدر أعطال متكررة وانقطاعات واسعة، وكان من المفترض منذ سنوات تغييره ورفع قدرته إلى 220,000 كيلوفولت، إلا أن التأجيل المستمر أبقى النبطية ومحيطها أسيرَي بنية تحتية لم تعد صالحة لزمنها إلى جانب ذلك، فإن اعتماد الخطوط الهوائية بدل الأرضية في بعض الأماكن جعل الشبكة عرضة للعوامل المناخية من رياح وعواصف، فتتكرر الأعطال مع كل منخفض جوي، وكأن الكهرباء في الجنوب خدمة موسمية لا حق من حقوق المواطن الأساسية.
انّ أزمة المياه في الجنوب ليست أزمة موارد، بل أزمة طاقة والإنقطاع الدائم للتيار الكهربائي عن آبار القرى ومشاريع المياه يشلّ عمل المضخات، ويحوّل المياه المتوافرة إلى مورد خدماتي يتكل فقط على المولدات الكهربائية التي بدورها تعمل على مادة الديزل اويل.
وتشكل محطة دوّار كفررمان مثالاً صارخاً على هذا الواقع فهي محطة متهالكة تقنياً ووظيفياً، تجاوزها الزمن ولم تعد تستجيب لحاجات المنطقة، الأعطال المتكررة الصادرة عنها ليست استثناءً، بل نتيجة طبيعية لبنية لم تُحدَّث ولم يُعَد تأهيلها منذ زمن طويل والمطلوب في هذه المحطة ليس صيانة موضعية ولا معالجة ترقيعية كما كل حصل خلال الشهرين الماضيين، بل «نفض» كامل، يبدأ بإعادة تقييم دورها وقدرتها، ويمرّ بتحديث تجهيزاتها وفق المعايير الحديثة، وينتهي بربطها ضمن شبكة أكثر استقراراً والإبقاء عليها بحالتها الراهنة هو إصرار على إدارة الأعطال المتكررة بدل إزالتها.
ويُضاف إلى ذلك ملف العدادات، حيث ما زال آلاف المشتركين من دون عدادات مركبة، مما يعني استهلاكاً غير مضبوط، وفوضى في التوزيع، واستحالة أي إدارة عادلة أو علمية للطاقة في هذا الواقع، فتُفقد الثقة بما تبقى من مفهوم الخدمة العامة.
ان ما يجري في قطاع الكهرباء في النبطية يوحي بأن الأزمة تُدار أكثر مما تُعالج، حلول مؤقتة، ترقيع أعطال ووعود مؤجلة، من دون أي مسار واضح لإعادة بناء القطاع حتى الاعتماد على المولدات الخاصة، الذي بات أمراً واقعاً، هو اعتراف ضمني بفشل الشبكة العامة، ونقل للأعباء من الدولة إلى المواطن.
ان المعالجة الجدية تبدأ بالاعتراف بأن الشبكة الحالية لم تعد صالحة، وأن الاستمرار في ترقيعها هو إطالة لأمد العتمة على المدى القريب، وأصبح من الضروري تأمين تغذية مستقرة نسبياً للمنشآت الحيوية، وإجراء صيانة طارئة للخطوط والمحطات الأكثر تضرراً، وتأمين قطع الغيار الشبه مفقودة، أما على المدى المتوسط، فالحل يمرّ عبر تحديث شامل للشبكات ورفع قدرة خطوط النقل، وإعادة تأهيل المحطات الأساسية، ولا سيما محطة دوّار كفررمان التي تغدي منطقة النبطية والجوار وخط الخدمات الحيوي، كما لا بد من استكمال تركيب العدادات، وتشديد الرقابة على التعديات، واعتماد إدارة أحمال أكثر عدالة وشفافية وفق معايير حديثة تضمن استقرار التغذية وتخفف الأعطال.
ختاماً، ان الكهرباء في النبطية وقراها التي تسلك طريق النهارات المشرعة على مواسم الشمس ليست أزمة تقنية فحسب، بل مرآة لخيارات مؤجلة وقرارات غائبة، والسؤال اليوم لم يعد لماذا نعيش في العتمة من وقت لآخر، بل إلى متى تبقى تُدار ولا تنجز؟ وهل ستبقى الكهرباء أداة إذعان يومي، أم ستتحوّل إلى حق فعلي لا يحتاج المواطن إلى التوسل من أجله؟