اوراق خاصة

النخب العربية بين التبعية وضيق الأفق

post-img

معتز منصور/ باحث سياسي

لا يمكن فهم أزمات العالم العربي المتكررة من دون النظر إلى دور النخب السياسية والفكرية والثقافية، بوصفهم  فاعلين في صياغة الواقع. ما نراه اليوم ليس مجرد تراكم للأزمات الاقتصادية والسياسية أو ضعف في موازين القوة، هو أزمة أعمق تتعلق بطريقة التفكير نفسها، وطبيعة المفاهيم التي تتحرك من خلالها النخب وقدرتها على تخيل بدائل حقيقية لمستقبل مختلف.

التبعية هنا لا تقتصر على الارتهان المباشر لقوى خارجية، بل تظهر كمنظومة معرفة متسللة، حين تتبنى النخبة إطارات جاهزة صيغت في أماكن أخرى، وصارت توظف لتفسير واقعها بوصفه أمرًا بديهيًا. مفاهيم، مثل الاستقرار والإصلاح والدولة السلام، وحتى مفهوم الممكن السياسي، غالبًا ما تستخدم من دون مساءلة عن جذورها أو وظائفها. النتيجة أن النخبة تتحرك داخل حدود مرسومة مسبقًا، فتبدو وكأنها تسوغ الواقع أكثر مما تحاول تغييره، وتعجز عن إنتاج رؤية متماسكة لمستقبلها.

العجز عن التخيل السياسي هو الأعمق. التخيل، هنا، لا يعني الهروب إلى أوهام بعيدة، بل القدرة على تصور بدائل ممكنة داخل الواقع نفسه وسبر حدود الممكن. كثير من النخب العربية تقتصر على توصيف الأزمة وإدارتها، وتفتقر إلى القدرة على بناء تصور شامل لمستقبل مختلف. السياسة تتحول إلى تقنية، وإدارة الضرر تحل محل المشروع، والخطاب يصبح أداة للتكيف مع الواقع لا للفعل التاريخي.

هذا العجز له جذور تاريخية. عقود من تراجع الحياة السياسية وضعف المجال العام وسياسات القمع، تركت أثرها في وعي النخب. لكن هناك عامل داخلي لا يقل أهمية: كثير من المثقفين والسياسيين اختاروا الأمان على حساب المخاطرة، واللغة المقبولة دوليًا على حساب لغة الواقع المحلي. نتيجة ذلك، أصبحت النخبة ماهرة في التحليل، لكنها عاجزة عن الخرق، تعرف كيفية تفسير الهزيمة، لكنها لا تعرف كيفية خلق طريق للخروج منها.

غياب الخيال يرتبط، أيضًا، بطريقة تعامل النخب مع الثقافة واللغة. اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، هي إطار للتفكير نفسه. حين تصبح اللغة تقنية باردة أو خشبية، ينفصل الخطاب عن الواقع الاجتماعي، ويصبح التحليل معزولًا عن تجارب الناس اليومية. النخبة لا تنتج معنى يغير الواقع، هي تصنع خطابًا يعكس التكيف مع ما هو قائم، ويعزز الإحساس بعدم جدوى المشروع السياسي المستقل.

التحولات الدولية الحالية تكشف هذه الإشكالية أكثر من أي وقت مضى. النظام الدولي يشهد إعادة ترتيب حقيقية، مع تراجع نسبي للهيمنة الأحادية وأزمة عميقة في النموذج الليبرالي وصعود قوى دولية جديدة وعودة الصراع الصلب أداةً مركزية في السياسة العالمية. هذه التحولات ليست مجرد تحولات إقليمية، هي فرصة لإعادة التفكير في دور الذات العربية وموقعها الاستراتيجي. مع ذلك، تبقى الاستجابة العربية محدودة: انتظار، أو نقل التبعية من مركز قوة إلى آخر، أو إعادة إنتاج خطاب التكيف بلغة جديدة.

الأزمة إذًا ليست في القدرة على اتخاذ القرار فقط، إنما في قدرة النخبة نفسها على تخيل البدائل. توسيع أفق الممكن السياسي واستعادة القدرة على التفكير المستقل واستخدام اللغة والفكر أدوات لبناء مشروع، هو ما يميز الفاعل الحقيقي عن مجرد المشاهد أو المعلق. النخب العربية مطالبة، اليوم، بأن تعيد طرح سؤال الدور الذي تريد أن تؤديه: هل هي أداة لتكييف المجتمع مع الخارج أم قوة لتشكيل وعي قادر على بناء المستقبل؟

من دون هذا التحول في الوعي واللغة، سيبقى الواقع العربي يكرر نفسه، مهما تغيرت الظروف الخارجية، ومهما بدت التحولات الدولية فرصة تاريخية.

التخيل السياسي ليس ترفًا فكريًا، بل شرط أساسي لتحرير الفعل، وتحويل الأزمة من إدارة مستمرة للهزيمة إلى مشروع يفتح أفقًا جديدًا للحرية والفاعلية. النخبة التي لا تعرف كيف تتخيل، ستبقى رهينة الخطاب المستورد، تنتظر القرارات من غير أن تصنعها، وتدير الهزيمة بلغة عقلانية باردة، في حين أن الواقع يتغير حولها بلا هوادة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد