شانتال عاصي (صحيفة الديار)
لم يعد نهر الليطاني مجرد شاهد على الأزمات البيئية في لبنان، بل تحول إلى ضحية مباشرة لسياسات الإهمال. آخر فصول هذه المأساة كشفت عنها المعاينات الميدانية الصادمة: مياه الصرف الصحي تتدفق "بلا حسيب أو رقيب" من منطقة تعنايل، لتصبّ سمومها مباشرة في قلب النهر. نحن أمام جريمة بيئية مكتملة الأركان، حيث يتحول شريان الحياة الأهم في البلاد إلى ناقل للموت الصامت.
أضرار التلوث على البيئة والنظام البيئي
تحتوي مياه الصرف الصحي غير المعالجة على مزيج خطير من المركبات الكيميائية، الملوثات العضوية، والبكتيريا والفيروسات الضارة. هذا التلوث لا يقتصر على تدهور جودة الماء، بل يخلّ بتوازن النظام البيئي بأكمله. فالمياه الملوثة تصبح بيئة عدوانية للأسماك والطحالب والكائنات الصغيرة التي تشكل الأساس في السلسلة الغذائية، مما يؤدي إلى انخفاض أعداد الأسماك وفقدان التنوع البيولوجي ويضعف قدرة النظام البيئي على القيام بوظائفه الحيوية.
كما تتأثر الطيور والحيوانات التي تعتمد على النهر في شرب الماء أو البحث عن الغذاء، لتصبح حياتها اليومية أكثر صعوبة، وتتعرض صحتها لخطر الأمراض.
الرواسب الملوثة في قاع النهر تمثل خزانًا طويل الأمد للملوثات، يمكن أن يبقى لعقود ويعيق تجدد النباتات والحياة المائية، ليصبح النهر أشبه بمصيدة بيولوجية تقيد استعادة الحياة الطبيعية.
القنبلة الموقوتة في أطباقنا
إن التهديد المباشر الذي يشكله تلوث الليطاني على الصحة العامة يتجاوز كل الخطوط الحمراء. فالمياه التي تخرج من تعنايل محملة بالأوبئة لا تبقى هناك، إنها تشق طريقها عبر قنوات الري لتستقر في جذور الخضروات والفواكه، التي تغذي موائد اللبنانيين من الشمال إلى الجنوب. نحن أمام دائرة تسمم مغلقة: المزارع يروي بمياه ملوثة، والمواطن يستهلك محصولاً مشبعاً بالبكتيريا، والنتيجة هي انفجار في حالات الأمراض المعوية، الفشل الكلوي، والتهابات الكبد الوبائي.
الأطفال وكبار السن هم "الحلقة الأضعف" في هذه المأساة، أجهزتهم المناعية الهشة لا تقوى على مواجهة الفيروسات المعوية والطفيلية الناجمة عن المياه الملوثة. حتى من يسكنون بعيداً عن ضفاف النهر ليسوا في أمان؛ فكل حبة خضار رُويت من الليطاني هي حامل محتمل لمرض مزمن. إنها كارثة صحية وطنية تجعل من "الأمن الصحي" للمواطن اللبناني، مجرد شعار فارغ أمام تدفق المجاري.
المسؤولية القانونية والإدارية
لا تقتصر آثار التلوث على المختبرات الطبية، بل تظهر جلياً في جيوب المواطنين. في قطاع الزراعة، فقدت "سمعة" الإنتاج البقاعي الكثير من بريقها بسبب تلوث مياه الري، مما أدى إلى انخفاض الأسعار وصعوبة التصدير، وهو ما يترجم خسائر بآلاف الدولارات للمزارعين الصامدين.
أما الثروة السمكية، فقد كانت فيما مضى قطاعاً يعيل مئات العائلات، واليوم باتت مهنة الصيد في الليطاني مجازفة صحية وقانونية، مما قطع أرزاق الصيادين وقضى على مصدر بروتين رخيص للفقراء. وبالانتقال إلى قطاع السياحة، نجد أن التلوث قد اغتال "المتنفس الطبيعي" للمنطقة، فالمطاعم والمتنزهات التي كانت تضج بالزوار، باتت اليوم مهجورة بسبب الروائح الكريهة والمشاهد المنفرة للمياه السوداء. هذا التراجع السياحي ضرب الدورة الاقتصادية المحلية في مقتل، محولاً مناطق كانت سياحية بامتياز إلى مناطق طاردة للاستثمار.
يُضاف إلى ذلك العبء المالي الثقيل الذي يقع على كاهل البلديات والمصانع، حيث تضاعفت تكاليف معالجة المياه لتصبح صالحة لأدنى مستويات الاستخدام، مما يزيد من تكلفة الإنتاج ويضعف القدرة التنافسية للصناعات المحلية التي تحاول البقاء وسط أزمة اقتصادية خانقة.
المساءلة المفقودة... البلديات في قفص الاتهام
لقد كانت "المصلحة الوطنية لنهر الليطاني" واضحة وصريحة في تقاريرها: البلديات المعنية هي المتهم الأول. إن صمت البلديات أو تبريرها لتدفق مياه الصرف الصحي بحجة نقص التمويل لم يعد مقبولاً. الإهمال في صيانة الشبكات والبنى التحتية، وترك محطات التكرير (إن وجدت) عرضة للصدأ والتوقف، هو "خيانة للأمانة" وتعدٍ صارخ على الحق العام.
القانون اللبناني واضح في هذا الصدد، والمسؤولية الإدارية والمالية تقع مباشرة على عاتق الجهات المحلية التي تسمح بهذا التصريف العشوائي. إن حماية النهر تبدأ بمحاسبة المتقاعسين قضائياً، فبدون "عقوبات رادعة" ستظل المحاضر مجرد حبر على ورق، وسيظل النهر مكباً مجانياً لكل من يريد التخلص من نفاياته على حساب صحة الناس.
معركة وجود
أخيراً، إنّ نهر الليطاني ليس مجرد مجرى مائي يقطع البقاع والجنوب؛ إنه ذاكرة لبنان، أمنه الغذائي، ومستقبل أجياله. إن استمرار التلوث في منطقة تعنايل وغيرها ،هو طعنة في قلب السيادة البيئية للبنان. حماية النهر اليوم هي "معركة وجود" تتطلب التزاماً يومياً ، يتجاوز المصالح السياسية والانتخابية. إذا لم نتحرك الآن بجدية وحزم، فقد يأتي يوم لا يجد فيه أبناؤنا شربة ماء نظيفة أو شتلة خضراء غير ملوثة. الليطاني أمانة في أعناقنا جميعاً، والسكوت عن تلوثه هو مشاركة في الجريمة.