اوراق مختارة

السرطان "يستشرس"... بين أرقام قياسيّة وسياسات غير مُكتملة...

post-img

ندى عبد الرزاق (صحيفة الديار)

في يوم 4 شباط من كل سنة، يُحتفى باليوم العالمي للسرطان، كفرصة للاطلاع على حجم التحدي الذي يمثّله هذا المرض للمجتمعات والنُّظُم الصحية. وعالميّا، تُعدّ السرطانات من الأسباب الرئيسية للوفاة، وتُقدّر الدراسات العالمية أكثر من 18 مليون حالة جديدة، و10 ملايين وفاة سنويّا في 2023 وحدها، مع توقعات بارتفاع هذه الأرقام في العقود المقبلة.

البيانات "مرعبة"

على الصعيد المحلي، يبدو المرض وكأنه عدو لا يرحم، اذ يضرب النساء أكثر عبر سرطان الثدي، والرجال عبر سرطان الرئة. وعلى الرغم من إدخال نظام لتتبع الأدوية وضمان وصولها للمستحقين، يبقى التفاوت بين المستشفيات الخاصة والحكومية، وصعوبة الحصول على أدوية الجيل الجديد، عقبة أمام توفير علاج شامل وفعّال.

وتمثّل الحملات الوطنية للكشف المبكر خطوة مهمة، لكنها لا تعوّض عن غياب الدعم النفسي والاجتماعي الممنهج، وفجوات التمويل في بعض المناطق. من هنا، لا تقتصر المعركة ضد السرطان في لبنان على المستشفيات والأدوية، فهي تتطلب إعادة هيكلة السياسات الصحية، تشديد الرقابة البيئية، والتوعية الوقائية لضمان أن تصل الرعاية لكل مريض دون استثناء، بعيدا عن أي تمييز أو عائق مالي.

الواقع الوبائي بـ "الدلالات"

بالاستناد الى ما تقدم، تشير وزارة الصحة العامة اللبنانية إلى انه يُسجّل في البلاد نحو 14,000 حالة سرطان جديدة سنويا (بما في ذلك ما يقارب 8,000 لدى النساء، و6,000 لدى الرجال)، وهو ما يدل على الضغط الكبير على النظام الصحّي. وتُستمد هذه الأرقام من بيانات السجل الوطني، الذي بدأ تحديثه بشكل تدريجي، ويمثّل خطوة أساسية نحو فهم ديناميات المرض، أنواعه وتوزيعه بين السكان. كما تبين تفاصيل تحليلية أن سرطان الثدي والرئة ، هما من الأكثر شيوعا في لبنان، وهو اتّجاه يتمشى جزئيا مع الإحصاءات الدولية.

في المقابل، هناك دراسات دولية (مثل تقديرات Lancet) تتوقع زيادة في مضاعفة حالات السرطان والوفيات في لبنان، على مدى العقود المقبلة، لكن مع تأكيد وزارة الصحة أن بعض هذه التوقعات موزونة بطبيعتها، وبالافتراضات الإحصائية المعتمَدة، لا تزال ضمن التقديرات غير النهائية التي تنشر سنويا من سجل وطني مكتمل.

سياسات الأدوية ونظام MediTrack

وفي هذا الإطار، يقول مصدر طبي متخصص في الأورام السرطانية في مستشفى الجعيتاوي: "في سياق الاستجابة، أطلقت وزارة الصحة العامة برنامج MediTrack ، كخطة وطنية لتتبّع أدوية السرطان والأمراض المستعصية، من لحظة دخولها إلى البلاد حتى وصولها للمريض، عبر نظام باركود وتسجيل المرضى. كما يوفر النظام ربط الأدوية بقواعد بيانات إلكترونية للتحقق من التسجيل، التوريد، والتوزيع. فضلا عن إمكان التحقق من أصل الدواء عبر التطبيق الرسمي للوزارة، الذي يسمح للمستخدمين بفحص الباركود، ومشاهدة سجل الدواء ومعلوماته. وفي مراحل سابقة، كان يتم منح المرضى رقمًا صحيًا موحّدًا، مرتبطًا بتتبّع أدويتهم في النظام، بهدف ضمان استلامها بشكل آمن، وحماية السجلّات من سوء الاستخدام".

ويؤكد لـ "الديار" ان "هذه الخطوة تمثل تقدّما في الرقابة الدوائية، مقارنة بالسنوات السابقة، وتستند إلى برامج صحية وطنية، بالتعاون مع شركاء دوليين لتعزيز السلامة وجودة الدواء".

عوامل الخطر والوقاية

ويشدد المصدر على ان "هناك اتفاق ضمني في التقارير العلمية والصحية، على أن عوامل مثل التدخين وتلوّث الهواء والغذاء، ترفع معدلات الإصابة بأنواع معينة من السرطان، وهو ما تشهده الدراسات اللبنانية والدولية. لذلك تشمل برامج توعية وتثقيف صحي، لتحفيز الأفراد على تبنّي سلوكيات صحية، والبدء في فحوصات مبكرة، وهو عنصر أساسي في تقليل معدلات المرض وتأثيراته في المجتمع".

ويضيف: "السرطان في لبنان ليس مجرد رقم، بل صورة مركّبة تعكس واقعا صحيّا واجتماعيّا، يتداخل فيه الوباء والسياسات الصحية مع العوامل البيئية والنمطية. لذا، تتّجه جهود الصحة العامة نحو تحسين المخرجات، من خلال نظام MediTrack، وتحديث البنية التشخيصية، وتوسيع التغطية العلاجية للأطفال والمجموعات الأكثر ضعفا. لكنّ التحدي الحقيقي لا يزال في تعميم التجربة، تطوير السجل الوطني، وضمان وصول العلاج لكل مريض، وفق معايير علمية واضحة. هذا هو الاختبار الذي يقيس جدوى السياسات الصحية، في مواجهة واحد من أخطر الأمراض في عصرنا".

دعم العلاج "بطّل حلم"!

من جهة اخرى، تؤكد مصادر طبية في وزارة الصحة لـ "الديار" ان "التغطية الإنمائية للمرضى، تتم عبر دعم عمليات، مثل زرع نقي العظم بالتعاون مع مؤسسات طبية معتمدة. وتأتي هذه السياسات في سياق استراتيجية وطنية لمكافحة السرطان، تهدف إلى تحسين التشخيص والعلاج، بالرغم من التحديات الاقتصادية والمادية التي تواجهها الدولة والمرضى على حدّ سواء".

وتشير المصادر الى ان "وزارة الصحة العامة ممثلة بالوزير راكان ناصر الدين، تعكف على تأمين علاج شامل يجمع بين الدواء والدعم النفسي، مع ارتفاع نسبة الموافقات على البروتوكولات العلاجية إلى 94%، وصرف أكثر من 100 مليون دولار على الأدوية المستعصية والسرطانية، لتغطية جميع المرضى المسجلين، خصوصا من يحتاجون إلى تشخيص مبكر وأدوية مكلفة. كما أعلنت الوزارة عن توسيع إمكان إجراء فحوصات PET Scan في ثلاثة مستشفيات حكومية، وتنظيم حملات وطنية للكشف المبكر عن سرطان القولون والثدي والبروستات، مع ضمان تغطية كاملة لمسار العلاج لكل مريض، في إطار السعي لضمان أن يحصل كل شخص على الرعاية بكرامة وفعالية".

ضراوة المرض "مهلكة"

في سياق متصل، يقول السيد بديع، "اكتشفنا مرض ابنتي بالصدفة خلال فحص روتيني، وكانت الصدمة كبيرة، خاصة مع الخوف من كلفة العلاج. ورغم ان الدعم الذي وفرته وزارة الصحة عبر المستشفيات الجامعية محدود، الا انه غيّر الكثير. لا أستطيع وصف شعوري عندما علمنا أنها ستحصل على زرع نقي العظم بمؤازرة الوزارة. هذا الشعور بالأمان رغم المرض لا يقدّر بثمن. لكن، ما زال التنقل بين بيروت وصيدا صعبا علينا، ونحن نحاول التغلب على كل العقبات يوما بعد يوم".

في النهاية، وعلى الرغم من التطورات التقنية، بما في ذلك نظام MediTrack ، لتتبع الأدوية وضمان وصولها للمستحقين، يظل التفاوت بين المستشفيات الخاصة والحكومية، وإمكانية الوصول إلى أدوية الجيل الجديد ، عقبة كبيرة أمام علاج متكامل وفعال. وتشكل الحملات الوطنية للكشف المبكر، خصوصا للثدي والقولون والبروستات خطوة إيجابية، إلا أن غياب برامج الدعم النفسي والاجتماعي الممنهجة والفجوات التمويلية في بعض المناطق، يضعف تأثير هذه الاستراتيجيات.

في جميع الاحوال، يظهر التحليل الاستقصائي بوضوح أن مكافحة السرطان في لبنان، لا تتطلب مجرد توسيع الخدمات العلاجية، بل إعادة هيكلة السياسات الصحية، تحسين الرقابة البيئية، وتنمية التوعية الوقائية لضمان أن تصل الرعاية لكل مريض دون استثناء.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد