اوراق مختارة

نورمان فينكلستين... ذئب منفرد في وجه منظومة القذارة

post-img

علي سرور/جريدة الأخبار

لم تعد فضيحة جيفري إبستين مجرّد قصة عن ملياردير أميركي استغلّ نفوذه وماله لارتكاب جرائم جنسية بحق قاصرات، بل تحوّلت، مع توالي الوثائق المسرَّبة، إلى مرآة فاضحة لمنظومة عالمية متشابكة من المال والسلطة والسياسة والإعلام والأكاديميا.

منظومة لم يكن جيفري إبستين إلا إحدى واجهاتها. في هذا السياق، يبرز اسمان ثقيلان في الفكر النقدي العالمي هما نورمان فينكلستين ونوام تشومسكي. غير أنّ الوثائق الأخيرة تضعهما في موقعين متناقضين أخلاقيًا.

رغم فظاعة القضيّة برمّتها، إلّا أنّه، كما في جميع القصص، يخرج من رحم خباياها بطل يرسم معالم الأمل والإنسانية من بين أنياب الوحوش البشرية. وكما في الأفلام، يأتي النجم المحبوب بصفات متكاملة، وهنا أيضًا كان البطل الوحيد الذي سار عكس التيّار ثائرًا على عروض إبستين وحاشيته، هو في الوقت ذاته فارس فلسطين، المنحاز منذ سنين إلى جانب حقوق شعبها وشعوب المنطقة كلّها في وجه أيدي أبناء جلدته الصهاينة.

أكاديمي خارج السرب

في الملفات الأخيرة المرتبطة بإبستين، يظهر اسم الأكاديمي اليهودي الأميركي المعادي للصهيونية نورمان فينكلستين بوصفه حالا شبه فريدة. بين عشرات الأسماء التي راوحت مواقفها بين الصمت، التبرير، أو التورّط المباشر، يخرج فينكلستين بموقف حادّ وصريح اتّخذه في ذروة مجد الشبكة السيّئة الذكر، حين رفض بشكل قاطع أي تواصل مع إبستين، كما وجّه إليه إدانة أخلاقية مباشرة، ولمحاميه ألان ديرشويتس.

إلى جانب ذلك، تكشف المراسلات بأنّ محاولة ربط فينكلستين بإبستين جاءت عبر عالم الأحياء الأميركي روبرت تريفرز الذي لم يُخفِ إعجابه بإبستين حتى بعد إدانته باغتصاب قاصرات، وذهب حدّ الدفاع عنه علنًا، بل تلقّي أموال منه. حاول تريفرز بطريقة «ناعمة» فتح قناة تواصل بين فينكلستين وإبستين عبر رسائل متبادلة.

غير أنّ الوثائق التي كشفتها وزارة العدل الأميركية حديثًا لا تُظهر أي مبادرة، أو حتى ترحيبًا، من جانب فينكلستين. على العكس تمامًا، جاء ردّ فينكلستين قاسيًا ومباشرًا، حين بعث رسالة تضمّنت شهادة قانونية لإحدى ضحايا إبستين، ختمها بعبارة صادمة أخلاقيًا وسياسيًا، بأنّ إبستين وديرشويتس «يستحقان الشنق». اللافت أنّ فينكلستين لم يكتفِ بتوجيه كلامه إلى تريفرز، إنّما وضع إبستين نفسه في خانة المستلمين، في فعل نادر داخل هذه الشبكات القائمة على المجاملة والخوف والمصالح.

أخلاق الرفض في زمن التطبيع مع الجريمة

لا يمكن فصل هذا الموقف عن المسار الفكري والسياسي لفينكلستين. فالرجل معروف منذ عقود بعدائه الجذري للصهيونية، وبتوصيفه الصريح لإسرائيل بوصفها دولة فصل عنصري تمارس الاستعمار والقتل الجماعي بحق الفلسطينيين. هذا الموقف كلّفه مسيرته الأكاديمية، من تعقيد ملف تثبيته الجامعي إلى منعه من دخول الكيان العبري لسنوات طويلة بسبب «زياراته المشبوهة» إلى لبنان.

في هذا السياق، يتجاوز رفض فينكلستين لإبستين حدود الموقف الأخلاقي، لكونه امتدادًا منطقيًا لفكر يرى في المنظومة الغربية الحاكمة بنية عنف واستغلال، لا استثناء أخلاقيًا فيها. فإبستين، وفق ما تكشفه الوثائق، لم يكن «شخصًا منحرفًا» يغرّد خارج السرب، بل أداة داخل شبكة أوسع تضم سياسيين، ورجال أعمال، وإعلاميين، وأكاديميين، بعضهم لعب أدوارًا مباشرة في تبييض الجرائم أو الصمت عنها. من هنا، يصبح فينكلستين «بطل» هذه الملفات، لا لأنه لم يندمج فحسب، إنّما لأنه قال «لا» في لحظة كان الصمت فيها أسهل، وأكثر أمانًا، وأكثر ربحًا.

نوام تشومسكي: عبقرية الفكر وحدود الأخلاق

في الجهة المقابلة من المشهد، تُسلّط الوثائق الأخيرة الضوء على علاقة المفكّر اللغوي والسياسي العالمي، نوام تشومسكي، بجيفري إبستين. بعد سنوات من التقليل من شأن هذه العلاقة، بوصفها «مالية» أو «عرضية»، تكشف المراسلات المنشورة عن مستوى من الألفة الشخصية، لا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلًا عابرًا أو سوء تقدير بريئًا.

تُظهر الرسائل المتبادلة دعوات متكرّرة للقاء، ونقاشات سياسية وشخصية، فضلًا عن نصائح إعلامية قدّمها تشومسكي لإبستين عام 2019، أي بعد أكثر من عقد على إدانته القضائية باغتصاب قاصرات، وقبل أشهر قليلة من توقيفه مجددًا بتهم الإتجار الجنسي. وفي إحدى هذه المراسلات، يُقلّل تشومسكي صراحةً من شأن ما وصفه بـ«الهستيريا التي تطورت حول إساءة معاملة النساء»، وينصح إبستين بألّا يتفاعل مع الاتهامات «ما لم يُسأل مباشرة». عبارة تختصر فجوةً أخلاقية صادمة بين خطاب تشومسكي النقدي عن السلطة، وممارسته الفعلية حين يكون الطرف المقابل رجلًا نافذًا من قلب هذه السلطة.

لا تتوقّف التناقضات عند هذا الحدّ. في مراسلة أخرى تعود إلى عام 2016، يناقش تشومسكي وإبستين الوضع في فنزويلا في عهد هوغو تشافيز، فيصف تشومسكي المرحلة بأنّها «كارثة كبرى». وحين يسأله إبستين بسخرية: «هل هذه هي الاشتراكية في أبهى صورها؟»، يردّ تشومسكي: «لم تكن اشتراكيةً على الإطلاق».

هذا النقاش، الذي يجري بين مفكّر يُفترض أنّه من أبرز منتقدي الإمبريالية، وملياردير متورّط في شبكة استغلال جنسي عالمي، يفضح مفارقةً لافتة، إذ إنّ تشومسكي الذي دائمًا ما دافع نظريًا عن حق شعوب الجنوب في تجاربها السياسية، تُظهر الرسائل المنشورة تبنّيه خطابًا «تبسيطيًا» ينسجم، في الجوهر، مع السرديات الغربية التي اختزلت تجربة فنزويلا في الفشل، من دون التوقّف عند الحصار والعقوبات والتدخّل الأميركي.

الأكثر إشكالية أنّ هذه العلاقة لم تكن محصورة بالكلام. إذ تُظهر السجلات المالية الخاصة بإبستين، التي كُشف عنها في الدفعة الأخيرة من الملفات، وجود دفعات مالية عدّة قُدّمت إلى تشومسكي وأفراد من عائلته، من بينها عشرون هبة منفصلة صُرفت لمصلحة صناديق ائتمانية تعود إلى أحفاده.

سقوط هالة وارتقاء أخرى

لا تستهدف هذه الوقائع القيمة الفكرية لتشومسكي وإسهاماته في تفكيك الإعلام والدعاية الغربية، إلّا أنّها تُفكّك صورته الشخصية بعد «السقطة» الأخلاقية المدوّية. الرجل الذي واجه الإمبريالية في كتبه ومحاضراته، حين اختُبر خارج النصوص النظرية، اختار التطبيع مع مجرم جنسي نافذ، أو على الأقل التعامل معه بوصفه صديقًا عوضًا عن نبذه.

على المقلب الآخر، تُعيد تجربة نورمان فينكلستين الاعتبار لفكرة بسيطة، لكن نادرة، أنّ المثقّف ليس ما يكتبه فقط، بل ما يرفضه أيضًا، وأنّ الرفض في وجه منظومة قذرة، ولو جاء بكلفة شخصية، هو فعل سياسي بحدّ ذاته.

يكرّر المعلّمون والأكاديميّون جملةً على مسمع معظم طلابهم، بأنّ «يوم الامتحان، يُكرم المرء أو يُهان»، أي يظهر معدن الشخص وجوهره حين تُختبر ادّعاءاته، فيحظى بالتقدير أو ينال الخزي. وفي زمن تتكشف فيه عورات النخب الغربية، وتتهاوى الأصنام واحدًا تلو الآخر، قد لا يكون أهم ما في ملفات إبستين أسماء المتورّطين فقط، إنّما أيضًا الأسماء القليلة التي خرجت منها نظيفةً. ورغم أنّ مسيرة نورمان فينكلستين ليست بحاجة إلى تلميع إضافي، إلّا أنّ المشهد الثقافي والإنساني المُثقل بالتواطؤ والصمت يحتاج إلى بارقة أمل وبطل نادر في مستنقع الوحوش.

لذا، يفرض زمن الانهيار الأخلاقي التوقّف طويلًا عند من قال «لا» في وجه منظومة كاملة، في وقت اختار فيه كثيرون الاندماج فيها أو الصمت.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد