حمزة البشتاوي/ كاتب وإعلامي
كانت إيران قبل انتصار ثورتها، في العام 1979، ترزح تحت الاحتلال نفسه الموجود على أرض فلسطين، مع اختلاف الوسائل والأدوات. بعد انتصارها؛ أصبحت فلسطين وقضيتها العادلة تحتل مكانة مركزية في فكر الإمام الخميني ووجدانه، إذ لم تكن فلسطين عنده مجرد قضية سياسية عابرة، هي مسألة عقدية وإنسانية وأخلاقية ترتبط بجوهر الصراع ما بين قوى الخير وقوى الشر والعدوان.
منذ البدايات؛ أكد الإمام الخميني أن جريمة احتلال أرض فلسطين ما كانت لتحصل لولا دعم القوى الاستعمارية وصمت وتواطؤ الأنظمة العربية. ربط الإمام عملية تحريرها بتحرير الإرادة وتعزيز الوحدة، ودعم أسطورة الثبات والصمود الفلسطيني الذي يؤكد بأن فلسطين قضية حق لا يسقط؛ بل سوف ينتصر في النهاية على الغزاة والطغاة.
أصبحت قضية تحرير فلسطين أولوية إيرانية بعد انتصار الثورة الإسلامية، وعمل الإمام الخميني برؤاه الفكرية والروحية والسياسية والجهادية والثورية على تحديد المسار العملي للثورة، والانتقال من شعار "الشاه يجب أن يرحل" إلى شعار "إسرائيل يجب أن تزول".
مع هذين الشعارين حرّرت أول قطعة أرض لفلسطين حين رفع العلم الفلسطيني فوق مقر سفارة دولة فلسطين في إيران؛ بالتزامن مع زيارة الرئيس الراحل ياسر عرفات إلى طهران في 18 شباط، في العام 1979، وكان أول زعيم عربي يزور إيران بعد انتصار الثورة. حينها قال: "تحويل السفارة الإسرائيلية إلى سفارة فلسطينية هو انتصار سياسي ومعنوي لشعبنا ورسالة واضحة إلى العالم بأن فلسطين ليست وحدها". وقال: "الثورة الإيرانية أعادت فلسطين إلى قلب الأمة، ونحن نرى في هذا الانتصار دعمًا للمستضعفين كلهم في العالم".
أعلن الإمام الخميني آخر يوم جمعة من شهر رمضان "يوم القدس العالمي" تأكيدًا لقداسة المبنى والمعنى للقدس، في كل زمان، وصولًا إلى زمن الإمام الخميني وخليفته الإمام الخامنئي الذي تمكن باقتدار وشجاعة وحكمة وبمسار دستوري وأخلاقي وديني من الاستمرار بدعم فلسطين وشعبها من أجل التحرير والعودة والاستقلال.
وهذا الإلتزام اصبح جزء أساسيًا من الصراع الجذري ما بين إيران والاحتلال الإسرائيلي الإرهابي والمجرم والغرب الاستعماري المتوحش؛ كما أثبتت حرب الإبادة على غزة واستمرار العدوان على الضفة الغربية ولبنان.
يرفع الشعب الفلسطيني راية الصمود والمقاومة دفاعًا عن قضيته التي حظيت بدعم حركات وجهات متعددة، حتى ما قبل الإمام الخميني، لكن ما ميزه هو رؤيته وعمقها الفلسفي والإيماني، حين وضعها في قلب مشروعه لا على هامشه، وربط نهضة الأمة بمدى إلتزامها بالدفاع عن فلسطين.
إيران اليوم تستمر على نهجه، على الرغم مما تتعرض له من حصار وتهديدات وتشويه وضغوط وعقوبات، إنطلاقًا من المبدأ الراسخ والأصيل والنهج الذي يرى فلسطين تجسديًا بالغ الوضوح للصراع ما بين الحق والباطل، في كل زمان ومكان.