مريم نسر (صحيفة الديار)
ما بات واضحا أن العدو الإسرائيلي يفعل كل شي لقتل الحياة في جنوب لبنان، وتحديدا في المنطقة الحدودية، من قتل البشر لتدمير الحجر لحرق الأراضي منعاً لزراعتها، فهو يعمل من أجل القضاء على كل مقومات الحياة في تلك المنطقة.
ففي ذروة الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وتحليق طائراتها الحربية والمسيّرة في سمائه، التقط الأهالي صورة لـ "طائرة زراعية إسرائيلية"، تم رصدها فوق بلدة عيتا الشعب الجنوبية الحدودية، وبما أن العدو لا ينثر الورود على أهل الجنوب بل الدماء والقتل، عرف الناس أنها مواد سامة قبل فحصها حتى من الجهات المختصة.
أول مَن أصدر بيانًا "قوات اليونيفل" الذي كان واضحا حول رش مادة كيميائية على أرض الجنوب، معتبرا أن هذا الفعل غير مقبول ومخالف لقرار مجلس الأمن الدولي 1701. وفي اليوم التالي طلب رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون عبر بيان من وزارة الخارجية إعداد ملف موثّق، بالتعاون مع وزارات الزراعة والبيئة والصحة العامة، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات القانونية والديبلوماسية اللازمة لمواجهة هذا العدوان، وتقديم الشكاوى إلى المحافل الدولية ذات الصلة، وقد باشرت الوزارة اتخاذ الإجراءات اللازمة، لتوثيق الاعتداءات الإسرائيلية المتمثلة برش مواد ومبيدات سامة على الأراضي الزراعية في جنوب لبنان.
أما على صعيد تحرّك الجهات المعنية، من أهل المنطقة الحدودية التي يلحقها أذى وضرر مباشر من العدوان الإسرائيلي، فيصف رئيس بلدية عيتا الشعب أحمد سرور الأراضي التي رشّها العدو الإسرائيلي بالمبيدات السامة، بأنها على "شكل جبل منحدر، يبدأ بثروة حرجية وينتهي بأرض زراعية، ما يعني أنها تقسم الى قسمين:
- الأول: ثروة حرجية تضرّرت من الأساس، وتأذّت بعد قيام العدو بجرفها وحرقها ورمي قنابل فوسفورية عليها من بداية حرب الإسناد، أي يعود ذلك لأكثر من عامين، الى أن جاء رش هذه المبيدات، ليُكمِل الإسرائيلي ما بدأ به في الأراضي اللبنانية الملاصقة للأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي كل قرى الحافة الأمامية.
- الثاني: أرض زراعية لم يستطع أهالي عيتا زراعتها من أكثر من عامين بِحُكم العدوان الإسرائيلي، وحتى بعد إعلان وقف إطلاق النار. وقد استمر هذا الوضع لقرب هذه الأراضي من ثلاث نقاط عسكرية، ما زالت "إسرائيل" تحتلها حتى يومنا هذا وهي: موقع الحدب، موقع الراهب، وموقع ضهر الجمل الذي يقع بين عيتا الشعب وراميا".
ويتابع سرور: "بمجرد أن شاهد أهالي عيتا ما يقوم به العدو من رش مواد سامة، أخذت البلدية الإجراءات اللازمة، وتواصلت مع المعنيين أي وزارتي الزراعة والبيئة، اللتين تواصلتا مع الجيش اللبناني لأخذ عيّنات، من أجل فحصها ومعرفة طبيعة هذه المواد"، وأضاف: "أن المتابعة والاهتمام جاءا أيضا من اتحاد بلديات بنت جبيل وصور، وللإنصاف كان اهتمام وزارتي الزراعة والبيئة غير عادي".
ويؤكد رئيس البلدية "قبل الحرب هذه الأراضي كانت تُزرع بالتبغ والقمح والعديد من المزروعات، وكان هناك نية هذا العام للعمل على زراعتها إذا أمكن، لأن أهل هذه البلدة يعتمدون على الزراعة"، وقال أي أرض يصلها أهل عيتا يقومون بزراعتها".
وبعد متابعة من وزارتي الزراعة والبيئة، صدر بيان مشترك حول ما توصلتا إليه من نتائج، نتيجة متابعة حثيثة تركز على تأثير المواد السامة، بالإضافة الى إصدار توصيات لأهل المنطقة الحدودية.
وبعد نقل جميع العيّنات إلى مختبرات متخصصة في بنت جبيل وبيروت، لإجراء الفحوص العلمية اللازمة، وإرسال عينات إضافية إلى مختبر معترف به من الإتحاد الأوروبي في اليونان، جاءت النتيجة أن المادة المرشوشة هي مبيد الأعشاب "غليفوسات"، ما سيؤدي إلى تضرر الغطاء النباتي في المناطق المستهدفة، مع تداعيات مباشرة على الإنتاج الزراعي وخصوبة التربة والتوازن البيئي، حيث تبيّن في بعض العيّنات نسب تركيز تتراوح بين 20 و30 ضعفًا مقارنة بالنسب المعتادة.
ودعت الوزارات المعنية المواطنين والمزارعين في المناطق المعنية إلى توخي الحيطة، وتجنّب ملامسة المزروعات المتضررة أو استخدام المياه في المواقع المشتبه بتعرّضها للرش، إلى حين صدور الإرشادات الرسمية، على أن يتم إطلاع الرأي العام بشفافية على نتائج التقييمات تباعا.
للجمعيات البيئية دور أيضاً، فلقد أصدرت "جمعية الجنوبيون الخضر" بيانًا دعت فيه المنظمات الدولية المعنية بحماية البيئة وحقوق الإنسان، الى تحمّل مسؤولياتها واتخاذ موقف واضح وحازم إزاء استمرار الانتهاكات الإسرائيلية، والمطالبة بوقفها فورا، وأكثر من ذلك مساءلة الحكومة الإسرائيلية على مواصلة خرقها للقانون الدولي.
نقيب المزارعين في الجنوب محمد الحسيني يقول: إن "غليفوسات" هو مبيد عشبي وبالعامية "دوا حريق" ، يُستعمل في دول بنسبة معينة ويُمنع في دول أخرى، والخطورة بالذي استخدمته "إسرائيل" هو مضاعفة النسبة التي تُستخدم بالعادة حوالى 30 ضعفاً".
أما عن آثاره فيقول:
١- يقضي على الغطاء النباتي "الحرجي والزراعي"، أي يقضي على كل شيء أخضر.
٢- يقتل الكائنات الحية مثل النحل.
٣- يسمم التربة ولو مؤقتا، لكن الأكيد أنه لا يمكن تحديد المدة.
يتابع الحسيني: "فعاليته سريعة جداً، فخلال مدة 10 أيام تُتلف المزروعات وفق معادلة: تركيزه عالٍ يعني أن فعاليته أكبر، وبخاصة أن الرش جاء بالطول بين حوالى 14 و 19 كلم وبالعرض بين حوالى 500 و 800 متر، فبعد الفوسفور الأبيض الذي فعل فعله وقتها وأحرق الأراضي، وبعد فضحه استبدلته "إسرائيل" بالمبيدات السامة لإحراق الأراضي الزراعية مجددًا في الجنوب".
ويؤكد نقيب المزارعين في الجنوب على أهمية رفع الصوت بوجه "إسرائيل" لفضح جرائمها، وهذا مع الوقت سيؤدي الى نتيجة.