علي منتش (لبنان 24)
لا يزال "تيار المستقبل" يلتزم الصمت حيال مسألة مشاركته في الانتخابات النيابية المقبلة او عدمها، من دون تقديم أي موقف علني أو مباشر يبدّد حالة الالتباس السائدة في الأوساط السياسية والشعبية.
هذا الغموض، الذي بات سمة المرحلة الحالية، يفتح الباب أمام تكهّنات متعددة، خصوصًا مع اقتراب موعد 14 شباط، الذي يُنظر إليه على أنه محطة محتملة قد تحمل مؤشرات أو إشارات أولية إلى اتجاه القرار، ولو من دون إعلان حاسم.
في الواقع، يصعب على "تيار المستقبل" الاستمرار طويلًا في سياسة الانتظار أو تعليق الحضور السياسي، بعدما تبيّن خلال السنوات الماضية أن الابتعاد عن الحياة العامة ترك أثرًا واضحًا على بنيته التنظيمية وحضوره الشعبي. فغياب "التيار" عن الاستحقاقات الكبرى، وفي مقدّمها الانتخابات النيابية، لا يمكن اعتباره خيارًا مستدامًا، لأن الاستمرار في هذا النهج قد يؤدي تدريجيًا إلى تراجع دوره السياسي وتآكل قاعدته، في بلد يقوم نظامه السياسي أساسًا على التمثيل والتوازنات الدقيقة.
وبحسب معطيات متداولة في الكواليس السياسية، فإن الاتجاه الغالب لا يشير إلى عودة تقليدية أو مباشرة ل"تيار المستقبل" إلى المعركة الانتخابية، بل إلى مشاركة مدروسة تأخذ أشكالًا مختلفة. فمن غير المرجح أن يخوض "التيار "الانتخابات بصورة علنية كاملة، كما أن مشاركة الرئيس سعد الحريري شخصيًا تبدو مستبعدة في المرحلة الحالية. كذلك، لا يزال غير محسوم ما إذا كانت الترشيحات ستتم تحت اسم "التيار"بشكل رسمي، أم عبر صيغ أكثر مرونة تتيح الحفاظ على الحضور من دون تحمل كلفة سياسية مباشرة.
لكن في المقابل، تؤكد المعلومات أن شخصيات محسوبة على "تيار المستقبل" ستخوض الاستحقاق النيابي، سواء بصفة مستقلة أو ضمن تحالفات موضعية، مع ترجيحات بأن يكون لبعض أفراد عائلة
الحريري دور علني في هذه المرحلة، ما يعكس محاولة لإعادة الإمساك بالشارع السني وإعادة تجميع القاعدة الشعبية من دون صدام مباشر مع المعادلات الإقليمية أو الداخلية المعقّدة.
هذا السيناريو، في حال تحقّقه، من شأنه أن يُحدث تغييرًا ملموسًا في المشهد الانتخابي. فعودة شخصيات مستقبلية إلى السباق ستعيد خلط الأوراق، وتؤثر على توزيع الأصوات والتحالفات، وتفرض توازنات جديدة داخل البرلمان المقبل. كما أنها ستعيد إدخال عامل كان غائبًا نسبيًا عن الحسابات الانتخابية، ما يفتح الباب أمام مرحلة سياسية مختلفة.
"تيار المستقبل"، رغم الغياب السياسي في السنوات الأخيرة، لا يزال يمتلك حيثية شعبية لا يمكن تجاهلها، ووزنًا انتخابيًا كفيلًا بقلب الحسابات في أكثر من دائرة.
لكن السؤال الأساس لا يتعلّق فقط بقرار المشاركة، بل بكيفية حصولها وشكلها وتوقيتها. فالمعطيات المتداولة تشير إلى أن أي خطوة يقدم عليها التيار لن تكون شبيهة بتجارب سابقة، لا من حيث التنظيم ولا من حيث القيادة المباشرة. وهذا ما يفسّر ارتفاع منسوب الترقب، مقابل غياب إعلان واضح وحاسم حتى الآن، وكأن القرار يُطبخ بهدوء وعلى نار منخفضة.
التجربة السياسية في لبنان أثبتت أن التفاهمات كثيرًا ما تولد بعد الخلافات، وأن القوى التي يُدار الظهر لها في مرحلة معينة قد تعود لتصبح شريكًا أو طرفًا لا يمكن تجاوزه بعد الانتخابات، عندما تفرض النتائج وقائع جديدة.
من هنا، قد يجد "تيار المستقبل" نفسه بعد الاستحقاق النيابي أمام واقع مختلف، حيث يصبح التفاوض معه أو فتح قنوات تواصل أمرًا طبيعيًا، لا سيما إذا أظهر قدرة على استعادة جزء وازن من حضوره الشعبي. لكن في المقابل، تبدو الرسالة السعودية في المرحلة الراهنة واضحة ومباشرة، سواء للتيار أو لكل من يفكر في التحالف معه: لا غطاء سياسيا، ولا دعم، وربما مقاطعة كاملة في هذه المرحلة.
بين هذه الرسائل المتناقضة، يقف "تيار المستقبل" أمام خيار صعب، لكنه مفصلي: إما الاستمرار في الغياب مع ما يحمله من تراجع تدريجي، أو خوض مغامرة محسوبة قد تعيد تثبيته لاعبًا أساسيًا في المشهد السياسي اللبناني، مهما كانت الكلفة.