اوراق مختارة

السلام العالمي في يد ثعلب شَرِه

post-img

محمد حمود/موقع العهد الإلكتروني

 تطورت فظائع جيفري إبستين من قضية جنائية إلى اختبار لمصداقية المؤسسات. فكل دفعة جديدة من الوثائق لا تكشف عن مفترس واحد فحسب، بل تفضح شبكة إجرامية عالمية كانت تعمل على مرأى من الجميع تحت غطاء الدبلوماسية رفيعة المستوى. لقد تحولت "الأعمال الخيرية" التي ارتبطت بأقوى الشخصيات في الغرب إلى درع يحمي الاستغلال المنهجي والتلاعب المرتبط بأجهزة الاستخبارات. ولم يعد السؤال ما إذا كان إبستين قد أساء استخدام نفوذه، بل ما إذا كان الذين حافظوا على علاقاتهم به يستطيعون اليوم الادعاء بامتلاك سلطة أخلاقية ذات مصداقية.

مهندسو المهزلة: سلام يُدار على أيدي مفترسين

إن النفاق المتجسد "بمجلس السلام" برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يمكن أن يكون أوضح. فقد احتفظ خمسة من أعضائه المؤثرين، بمن فيهم ترامب نفسه، بعلاقات موثقة مع إبستين، ما يعني فعليًا وضع الثعلب مسؤولًا عن حظيرة الأخلاق العالمية. فإذا كانوا قد خانوا ثقة مجتمعاتهم، فكيف يُنتظر منهم حماية أرواح الغزيين؟

وُصفت المبادرة سريعًا بأنها "نادي الدفع مقابل النفوذ"، وفقًا لصحيفة الغارديان، في صدى مباشر لشبكة إبستين الاجتماعية القائمة على المعاملات. وتضم القائمة أسماء بارزة في القيادة العالمية: تيريه رود-لارسن، ورئيس الوزراء النرويجي السابق توربيورن ياغلاند ، ورئيس الوزراء الأسترالي كافين رود، والأمين العام السابق للأمم المتحدة أنطونيوغوتيروس وجميعهم ارتبطوا بإبستين خلال ذروة تمويله. وحتى الملياردير قطب الإعلام والعقارات مورتيمر زوكرمان، وهو صديق وعميل قديم لإبستين، شغل منصب نائب الرئيس. ويبرز تورطهم مدى تغلغل نفوذ إبستين في دوائر النخبة، وتأثيره في مؤسسات يُفترض أن ترمز إلى النزاهة والغاية في الإنسانية.

تزداد الأسئلة الأخلاقية عمقًا عند النظر في شركاء آخرين. فقد حافظ مارك روان؛ الرئيس التنفيذي لشركة أبولو للإدارة العالمية Apollo Global Management، على علاقاته بعد أول إدانة لإبستين، فيما التقى كل من ليون بلاك وجوشوا هاريس به خلال تلك الفترة. كذلك، يظهر اسم الرئيس ترامب مرارًا في السجلات، إلى جانب إيهود باراك. ورغم أن الارتباط وحده لا يُعد دليلًا على سلوك إجرامي، فإن القيادة العالمية تُقاس بقدر ما تُقاس بالأفعال. ومبادرات السلام تقوم على الثقة، والثقة لا يمكن أن تصمد أمام علاقات وثيقة بالفضائح.

إن مجمل هذه الروابط يكشف قيادة مُقيدة بقربها من الفساد. فالألقاب والمناصب تفقد معناها عندما تكون الفئات الضعيفة على المحك، والمؤسسات التي يُفترض أن تحمي المُثل الإنسانية مهددة بأن تتحول إلى أدوات للسخرية والخيانة.

إنذار دولي

في 17 شباط/فبراير 2026، حذّر خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة من أن الانتهاكات قد ترقى إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية، مشيرين إلى "طابعها المنهجي" داعين إلى تحقيق مستقل في كيفية عمل الشبكة دون عوائق  على مدى عقود. وأكدت اللجنة أن الأمر لا يتعلق بجريمة معزولة، بل بنظام عالمي مكّنته نخب تستخدم الثروة والمكانة للتهرب من المساءلة. وبموجب القانون الدولي، قد يتحول ملف إبستين من فضيحة متمركزة في الولايات المتحدة إلى محاسبة عالمية لإفلات النخب من العقاب.

مزرعة زورّو في نيومكسيكو والتيسير المنهجي

تحول التدقيق إلى مزرعة زورّو. فقد أقرّ مشرعون في الولاية لجنة تقصي حقائق مشتركة بين الحزبين تتمتع بسلطة الاستدعاء للتحقيق في العقار البالغة مساحته 7,600 فدان، وفقًا لوكالة رويترز. وعيّن المدعي العام راوول توريز محققًا خاصًا للنظر في مزاعم، من بينها بلاغ عام 2019 يفيد بإمكانية دفن فتيات أجنبيات هناك. وقد جرى تهميش الخيوط المحلية طويلًا بسبب القضايا الفدرالية، ما يجعل هذا التحقيق حاسمًا لكشف النطاق الكامل للانتهاكات واحتمال تورط نخب نافذة.

تكشف تقارير الطب الشرعي وشهادات الناجيات عن أنفاق مخفية وأنظمة مراقبة سمحت لضيوف رفيعي المستوى بالتحرك دون رصد، ما يسلط الضوء على الطابع المنهجي لعمليات إبستين. فلم تكن البنية التحتية مجرد ملاذ خاص، بل سهّلت السرية والسيطرة والتنسيق عبر مواقع متعددة، مؤكدة أن الشبكة تجاوزت بكثير شخصًا واحدًا.

الكلفة الإنسانية

وراء المناورات القانونية تقبع الكلفة البشرية. فقد أظهرت مخططات مكتب التحقيقات الفيدرالي في ملفات 2026 "هرمًا للإتجار"، تضمّن شابة عُرفت باسم "ماربلز"، يُزعم أنه جرى نقلها عبر ممتلكات في مانهاتن وخارجها قبل أن تختفي من السجلات. لم تكن الضحايا أرقامًا مجردة، بل بنات وأخوات طُمست هوياتهن تحت معاملات مالية وسجلات مشفرة. واليوم تعيد عائلات في أوروبا والشرق الأوسط والولايات المتحدة فتح قضايا قديمة، في مواجهة احتمال أن يكون أحباؤهم قد ابتلعتهم شبكة محمية بالثروة والنفوذ.

المحاسبة الأوسع

إن قرار مجلس أوروبا رفع الحصانة عن ثوربيورن ياغلاند في قضايا فساد مرتبطة بإبستين يشير إلى أن الدروع المؤسسية بدأت تضعف. تكشف الملفات هرمية كانت فيها الثروة تحمي الوصول، والوصول يحمي المساءلة، ضمن تقاطعات سياسية ومالية وخيرية أثرت في السياسات العالمية. فلا يمكن لهندسة سلام أن تقوم على أسس متصدعة. والمؤسسات التي تدّعي أهدافًا إنسانية، إذا كان يديرها أشخاص مرتبطون بنظام قد يُعد إجراميًا، ستواجه شكوكًا مشروعة. فالمحاسبة، لا العلامات الدعائية، هي ما يحدد الشرعية. وإلى أن تتحقق الشفافية الكاملة، ستبقى ادعاءات القيادة الأخلاقية جوفاء.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد