رحل، اليوم الأحد، المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي أحد أبرز الباحثين الذين ساهموا في توثيق التاريخ الفلسطيني وجرائم الاحتلال الإسرائيلي، ومؤسس مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، التي أصبحت مرجعًا أساسيًا للبحث في تاريخ القضية منذ تأسيسها في العام 1963. عُرف الخالدي بجهوده الأكاديمية والسياسية والدبلوماسية، وبتأثيره البارز على الفكر الفلسطيني، وقد نال تقديرًا واسعًا، بما في ذلك عضويته في الأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم، وجائزة مؤسسة التراث الفلسطيني عن مساهماته في البحث والمجتمع العربي الأميركي.
وُلد الخالدي في القدس في العام 1925، ونشأ في أسرة الخالدية العريقة، التي أسهم أفرادها في الإدارة التعليمية والسياسية في المدينة منذ القرن التاسع عشر. تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة الفرندز في رام الله، والثانوي في المدرسة الإنجيلية بالقدس، ثم درس التاريخ الإغريقي والروماني واللغة اللاتينية في جامعة لندن، حيث حصل على البكالوريوس في العام 1945، ثم أكمل الماجستير في الآداب في جامعة أكسفورد في العام 1951.
بدأ الخالدي مسيرته الأكاديمية بالتدريس في أكسفورد، لكنه استقال في العام 1956 احتجاجًا على العدوان الثلاثي على مصر. انتقل بعدها إلى الجامعة الأميركية في بيروت، حيث أصبح أستاذًا للدراسات السياسية حتى العام 1982، كما عمل زميلًا في مركز هارفارد للشؤون الدولية ودرّس في جامعة برينستون لاحقًا.
أسس في العام 1963 مع قسطنطين زريق وبرهان الدجاني مؤسسة الدراسات الفلسطينية، التي تركز على البحث العلمي حول فلسطين والقضية الفلسطينية. تحت إشرافه، أصبحت المكتبة والوثائق التي تضمها من أكبر وأهم المجموعات في العالم حول فلسطين، تشمل أكثر من 70 ألف كتاب ومئات المخطوطات والوثائق التاريخية، إضافة إلى آلاف النسخ المصورة من الصحف والدوريات منذ القرن التاسع عشر.
أسهم الخالدي في إنتاج سلسلة واسعة من الدراسات والموسوعات باللغتين العربية والإنكليزية، منها: "قبل الشتات" الذي يوثق الحياة الفلسطينية قبل العام 1948، و"كي لا ننسى" موسوعة للقرى الفلسطينية التي دُمرت أو أُخليت، و"كلّ ما تبقى" توثيقًا مفصلًا للقرى المحتلة، و"دير ياسين: الجمعة 9 نيسان 1948"، و"سقوط حيفا"، و"من الملاذ إلى الغزو"، و"خطة دالت"، فضلًا عن مؤلفات عن الصراع العربي الإسرائيلي والتاريخ الأوروبي والعلاقات الدولية. وقد اعتُبرت هذه الأعمال مرجعًا أساسيًا للباحثين والمختصين لفهم تطورات القضية الفلسطينية وأحداث النكبة.
ظلّ الخالدي فاعلًا حتى بعد تقاعده من جامعة هارفارد في العام 1996، إذ استمر حتى 2017 في الإشراف على الشؤون اليومية لمؤسسة الدراسات الفلسطينية من بوسطن، كما شارك في صياغة الخطابات والوثائق السياسية الفلسطينية، ومنها خطاب ياسر عرفات أمام الأمم المتحدة عام 1974، وشارك في الوفد الفلسطيني الأردني المشترك في محادثات السلام، من دون أن يشغل أي منصب رسمي في منظمة التحرير الفلسطينية.
بالإضافة إلى إنجازاته الأكاديمية والسياسية، ظلّ اهتمامه بالمكتبة الخالدية في القدس قائمًا طوال حياته، حيث تمكن من حمايتها وتجديدها وتوسيعها، لتصبح منارة للبحث العلمي الفلسطيني والذاكرة الوطنية. يمثل رحيله فقدانًا كبيرًا للبحث العلمي الفلسطيني، ولذاكرة الشعب الفلسطيني، إذ ترك إرثًا معرفيًا غنيًا، يمتد عبر عقود من البحث والتأليف والعمل المؤسسي.