محمود منير/العربي الجديد
تعود توابيت الجنود الألمان من إحدى ساحات القتال خلال الحرب العالمية الأولى؛ صناديق سوداء مكدسة بجثثهم وأكوامٌ من بزاتهم العسكرية التي تنظف ليرتديها جنود آخرون ذاهبون إلى الموت، ومنهم الجندي باول الذي يتأمل انهيارات رفاقه وكوابيسهم وانتحاراتهم في لحظة مركبة من اليأس والشعور بالذنب، في رواية الكاتب الألماني إيريك ماريا ريمارك "كل شيء هادئ على الجبهة الغربية"، التي ادعي دونالد ترامب في تصريحات متكررة أنها "من أعظم الكتب على مر العصور".
الرئيس الأميركي الذي يطلب من مجلس الأمن القومي موافاته بتقرير من صفحة واحدة فقط عن أي ملف مهما بلغت حساسيته، مهووسٌ بالخرائط والصور، ويتشكك صحافيون باطلاعه على العديد من الروايات والمذكرات والمؤلفات السياسية وترشيحها لجمهوره في أثناء حملته الانتخابية عام 2016، بينما تؤكد صحيفة نيويورك تايمز آنذاك أنه لا توجد رفوف كتب في مكتبه.
في رواية ترامب المفضلة تفاصيل واقعية لجبهة القتال تنقل أدق وأصدق وأعمق ما يعيشه مقاتلون يتساءلون من دون أن يجدوا إجابة شافية عن المستفيد من حروب لا رغبة لهم بخوضها، فيقول أحد الجنود إن "المسألة لا تعدو أن تكون لونًا من الحمّى"، في حواره مع سبعة من رفاق السلاح في مقتبل العمر، حيث يتركون عائلاتهم وأحلامهم وذكرياتهم التي ترتبط جلّها بالطفولة والبراءة، ويتشبثون بضربة حظٍ قد تنجيهم من طلقة أو شظية قاتلة.
ملايين النسخ وزّعت من الرواية التي صدرت طبعتها الأولى في العام 1929، وتُرجمت إلى أكثر من عشرين لغة بعد أقل من عامين على نشرها، وأنتجت ثلاثة أفلام مقتبسة منها، وكانت أولى الروايات المحظورة في الحقبة النازية لأنها تجرأت بحسب تعبيرات رموز تلك الحقبة على قيم الشرف والبطولة والتضحية من أجل الوطن، ما اضطر إيريك ماريا ريمارك للفرار إلى سويسرا هربًا من عساكر بلاده الذين اعتقلوا شقيقته الصغرى وقطعوا رأسها انتقامًا منه. ارتعب النازيون من سردٍ واقعي ومفجع لحرب عبثية تفضي لهزيمة مخزية في نهاية المطاف، وتحصد آلتها الرهيبة أرواح ملايين الشباب الذين خُدعوا بشعارات تمجّد وطنية زائفة تقوم على شيطنة العدو، في عالم يصنّف فيه جميع البشر أعداءً من منظور حزب شوفيني تقوده شخصية مثل هتلر.
مفارقة عبّرت عنها الكاتبة الأميركية ألكسندرا بيتري التي لم تكف عن السخرية من حماقات الرئيس الأميركي في جميع قراراته وسلوكياته الخرقاء التي تذكّر بمجانين من أمثال هتلر، وتقول في تغريدة ساخرة على منصة إكس: "من الحقائق التي لا تزال تؤرقني بشأن رواية 'كل شيء هادئ على الجبهة الغربية' أن دونالد ترامب ظل يقول إنها روايته المفضلة".
تخصص بيتري مقالًا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، تستدعي خلالها مقاطع من الرواية، يقول فيها أحد الجنود: "أنا شاب. عمري عشرون عامًا؛ ومع ذلك لا أعرف شيئًا عن الحياة سوى اليأس والموت والخوف والسطحية التي تُلقي بظلالها على هاوية من الحزن...".
في أقل من مئتين وخمسين صفحة، يكتب ريمارك أقسى هجاء للحرب ولمن يتسببون في إشعالها، ويكتب أبلغ رثاء لضحاياها المشاركين فيها خاصة: "وما دامت كل هذه الفظائع تحدث، فلا خير في شيء، ولا فائدة من الكتابة، أو الفعل، أو التفكير.. إن كل شيء في الحياة عبث وخداع إذا كانت حضارة آلاف السنين لا تستطيع أن توقف سيل الدماء التي تتدفق مدرارًا، ولا تحول دون هذه الجروح المروعة التي تكتظ بها غرف العذاب في مئات ألوف المستشفيات. إن المستشفى وحده يبيّن ما هي الحرب ويصورها تصويرًا مجردًا".
يكشف تقرير نشرته "ذا غارديان" منذ أيام أن مؤسسة الحرية الدينية العسكرية في ولاية نيو مكسيكو الأميركية، تلقت أكثر من 200 شكوى من جنود وضباط أميركيين قالوا إن قادتهم استخدموا خطابًا مسيحيًا متطرفًا لتبرير الحرب ضد إيران، مستشهدين بنبوءات نهاية الزمان وسفر الرؤيا في العهد الجديد، وإن أحد القادة العسكريين أبلغ أفراد وحدته أن الحرب "جزء من خطة الرب الإلهية" التي ينفذها الرئيس الأميركي.
ما الذي أعجب ترامب المقاتل باسم الإله لتحقيق نبوءة دينية عن حرب أخيرة تعجّل نهاية العالم، برواية تُختتم بسقوط الجندي في المعركة قتيلًا ليأتيه الخلاص من عذابات الجسد والروح؟ هل يقرأ ترامب حقًا؟!