اوراق مختارة

المرأة في الحروب... معركة يوميّة للبقاء ورعاية الأسرة

post-img

ربى أبو فاضل (صحيفة الديار)

الحرب لا تقتصر على الجبهة العسكرية بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية. فالحروب كما تشير تقارير الأمم المتحدة ليست محايدة جندريا. واليوم آلاف النساء في لبنان يخضن حربهن الصامتة، إذ يجدن أنفسهن في مواجهة تداعيات الحرب الهمجية من قبل العدو الإسرائيلي، ويتحملن مسؤولية رعاية الأسرة، وتأمين متطلباتها الأساسية في ظل ظروف معيشية قاسية، تتداخل فيها مخاطر القصف مع الأزمات الاقتصادية المتفاقمة.

ويبرز النزوح القسري كأحد أبرز التحديات التي تواجه النساء خلال الحرب، ففقدان المنزل لا يعني مجرد الانتقال إلى مكان آخر، بل بداية معاناة جديدة ، إذ اضطرت العديد من العائلات إلى اللجوء إلى مدارس أو مراكز إيواء وملاجئ جماعية ، حيث تواجه النساء صعوبات يومية تتعلق بتأمين الغذاء ورعاية الأطفال، والحفاظ على الحد الأدنى من الخصوصية، في ظل واقع إنساني هش.

تحديات يومية

في مراكز النزوح تتجلى يوميات الحرب في تفاصيل الحياة البسيطة ، التي تحاول النساء الحفاظ عليها .

أم علاء، نازحة من الجنوب، تصف رحلتها بالصعبة: "أصعب ما في النزوح ليس فقط خسارة المنزل، بل الشعور الدائم بعدم الأمان والخوف على الأولاد".

بدورها، تصف سمر وهي أم لثلاثة أطفال، الحياة في مراكز الإيواء بأنها "مليئة بالتحديات اليومية"، لافتة إلى أن "المسؤوليات تضاعفت بشكل كبير، ففي الكثير من الاحيان اقوم بدور الام والاب معا للحفاظ على استقرار أطفالي".

من جهتها، تشير ريما "ناشطة اجتماعية" إلى أن "النساء يتحملن العبء الأكبر داخل مراكز الإيواء، من رعاية الأطفال إلى متابعة التعليم وتنظيم تفاصيل الحياة"، مضيفة: "رغم قسوة الظروف تظهر العديد من النساء قدرة لافتة على الصمود، ساعيات لخلق مساحات صغيرة من الاستقرار لحماية أطفالهن والحفاظ على تماسك الأسرة".

النساء معيلات رئيسيات لأسرهن

مع استمرار الحرب تتحول العديد من النساء إلى معيلات رئيسيات لأسرهن،بعد فقدان الأزواج أو تدمير مصادر الدخل .

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 21% من الأسر النازحة في لبنان تعيلها نساء. هذا الوضع يزيد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، إذ تضطر الكثيرات إلى البحث عن عمل في سوق هش، أو الاعتماد على الدعم المؤسسي والعائلي، مع تحمل مسؤوليات الحياة اليومية للأطفال وكبار السن والعمل والمدرسة في وقت واحد.

وبحسب بيانات الأمم المتحدة، شكلت النساء والفتيات نحو 51% من إجمالي النازحين بين 2023 و2024، في ظل سوق عمل محدود وفرص ضئيلة، بسبب الانكماش الاقتصادي وارتفاع معدلات الفقر.

وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن مشاركة النساء في سوق العمل كانت منخفضة قبل الحرب، ما يجعل قدرة الكثيرات على إيجاد فرص كافية محدودة.

الصحة النفسية والجسدية

ولا تتوقف آثار الحرب عند الجانب الاقتصادي والاجتماعي، بل تمتد إلى الصحة النفسية والجسدية.

فبحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان يواجه العديد من النساء صعوبة في الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية، بما في ذلك الحمل والولادة . ويقدر أن آلاف النساء الحوامل بين النازحين بحاجة إلى رعاية عاجلة .

كما تؤكد تقارير "اليونيسف" و"منظمة الصحة العالمية" أن النزاعات تزيد معدلات القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، خصوصاً للنساء اللواتي يعشن ظروف النزوح أو فقدان الاستقرار، ما يجعل عبء الحرب مزدوجا البقاء الجسدي والتوازن النفسي للأسرة.

تهديد إضافي

إلى جانب ذلك تواجه النساء مخاطر تتعلق بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، إذ تشير تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة وصندوق الأمم المتحدة للسكان، إلى أن الحروب غالبا ما تؤدي إلى ارتفاع معدلات العنف الأسري والتحرش والاستغلال، خصوصا في أماكن النزوح المكتظة التي تفتقر إلى الخصوصية وآليات الحماية الكافية.

دعم محلي ودولي

في المقابل، تحاول بعض المنظمات الإنسانية المحلية والدولية التخفيف من حدة هذه التحديات عبر تقديم مساعدات غذائية وخدمات صحية ودعم نفسي غير أن العاملين في المجال الإنساني يؤكدون أن حجم الاحتياجات يفوق بكثير الإمكانات المتاحة خاصة مع اتساع رقعة النزوح واستمرار التوترات الأمنية.

تخوض آلاف النساء معركة يومية للبقاء والحفاظ على أسرهن رغم التحديات، وتشير تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن النساء غالبا ما يلعبن دورا محوريا في الحفاظ على تماسك الأسر والمجتمعات خلال الأزمات. ففي العديد من الحالات تتحول المرأة إلى شبكة الأمان الأخيرة للعائلة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد