راجانا حمية (صحيفة الأخبار)
لم تباغت الحرب أحداً. مع ذلك، كان تعامل السلطة مع تداعياتها منفصماً عن الواقع. فلا إعلان لحالة طوارئ، ولا خلية أزمة، ولا مراسيم أو قوانين استثنائية تواكب معاناة الناس في الشوارع والطرقات. بدت السلطة، بجناحيها التشريعي والتنفيذي، وكأنها فوجئت بالحرب، رغم أنها كانت نتيجة مسار ممتدّ منذ عامين، وهي فترة كافية للاستعداد لأي سيناريو مُحتمل.
في حالة الحرب، «أبسط واجبات السلطة إعلان حالة الطوارئ لمواكبة الوضع الاستثنائي الذي تمرّ به البلاد»، وفقاً للمحامية فداء عبد الفتاح. «لكن ما حدث أن السلطة لم تفعل شيئاً، وبقي المشهد كما لو أننا في بلدين، أحدهما في حالة حرب بلا دولة، وآخر يتصرّف سكانه وكأن الحرب تحصل في مكان بعيد».
وقد انعكس هذا الانفصام على الأداء السياسي، حيث أخفقت السلطة في اختبار الحضور. فرغم سنوات الحرب الثلاث، لم يرتقِ تعاملها إلى مستوى الأحداث. وبدا ذلك واضحاً في استمرار مجلسَي النواب والوزراء بالعمل وفق أجندات روتينية بعيداً عن الأولويات الملحّة التي أملتها الحرب.
وبحسب رصد أجراه «استديو أشغال عامة» بالتعاون مع «غربال» و«المفكّرة القانونية»، لأداء مجلسَي النواب والحكومة بين الثاني من آذار، و15 نيسان، تاريخ إعلان وقف إطلاق النار، في ما يتعلّق بالتعامل مع تداعيات العدوان الإسرائيلي، تكشّفت صورة أداء رسمي اتّسم بسوء الإدارة واللامبالاة، وتخلّي السلطة عن مسؤولياتها وإدارتها ظهرها للناس في أكثر اللحظات حاجة إلى الدولة.
على المستوى التشريعي، يُظهِر الرصد أنه بين اندلاع العدوان وإعلان وقف إطلاق النار طُرح 13 اقتراحَ قانون تقدّم بها نواب و9 مشاريع قوانين مُحالة من الحكومة. لكنّ المفارقة أن اثنين منها فقط ارتبطا مباشرة بتداعيات الحرب، وهما اقتراحا تعليق المُهل المُقدّم من النائب سامي الجميّل وتعليق المهل القانونية والقضائية والعقدية الذي قدّمته النائبة بولا يعقوبيان، واللذان قُدّما كإجراء استثنائي لحماية الحقوق في ظل تعذّر الوصول إلى المحاكم وتعطيل سير المؤسسات خلال الحرب.
ما عدا ذلك، استكمل النواب عملهم على خط التشريع كالمعتاد وكأن لا حرب ولا من يحاربون. وتجلّى ذلك أيضاً في الجلسة الوحيدة التي عقدها المجلس في 9 آذار، إذ اقتصر جدول أعمالها على مناقشة ثلاثة اقتراحات لتأجيل الانتخابات النيابية، من دون إدراج أيّ مشروع أو اقتراح يعالج تداعيات الحرب أو متطلّبات الطوارئ.
وعلى النسق نفسه، سارت السلطة التنفيذية. فرغم عقد الحكومة ست جلسات خلال تلك الفترة، وإدراج بنود مرتبطة بالحرب على جداول أعمالها، فإن غالبية النقاشات والقرارات اتّسمت إمّا باستجابات جزئية للنزوح، اقتصرت على عرض استعدادات الوزارات المعنية، أو بإجراءات إدارية روتينية لا ترقى إلى مستوى الأزمة.
فقد تكرّر في أكثر من جلسة التركيز على تكليف وزارة الشؤون الاجتماعية بتأمين مراكز للنازحين، وبُحث في جلسة 23 آذار طلب وزارة الصحة تأمين الأدوية والمستلزمات الطبية والمحروقات والتجهيزات الاستشفائية بطريقة الاتفاق الرضائي لضمان استمرارية المرافق العامة في الظروف الاستثنائية. أمّا الجلسة المُخصّصة في 26 آذار لبحث تداعيات النزوح والاعتداءات الإسرائيلية، فبقيت في إطار العناوين العامة واستعراض تقارير الوزارات، من دون أن تفضي إلى قرارات عملية تعالج الأزمة.
وغلبت التدابير الإدارية الروتينية على غالبية جلسات الحكومة (4 من أصل 6) لمتابعة الهبات والتمويلات الخارجية، فيما برزت ملفات لا ترتبط مباشرة بالحرب أو النزوح، مثل تحديد سقف الإنفاق الانتخابي، والموافقة على اتفاقيات تمويل لمشاريع طرق، وإنشاء فروع لجمعيات أجنبية، والسماح باستيراد مُسدّسات لنادٍ للرماية، وتغيير تسمية بلدة بيت مري إلى مدينة بيت مري، إضافة إلى الموافقة على مشاركات رسمية في اجتماعات وفعّاليات خارجية.
لكنّ الأخطر من سوء إدارة ملف النزوح، كان مقاربة السلطة للحرب وتداعياتها من زاوية أمنية بالدرجة الأولى. والقرارات الصادرة تحت ستار العدوان ظهّرت هذا التوجه الذي ازداد فظاظة جلسة إثرَ أخرى. ففي جلسة 2 آذار، أعلنت الحكومة «رفضها المُطلق لأي أعمال عسكرية أو أمنية تنطلق من الأراضي اللبنانية خارج إطار مؤسسات الدولة»، مؤكّدة أن «قرار الحرب والسلم هو حصراً بيدها، ما يستدعي الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية باعتبارها خارجة عن القانون (بند 1) والطلب من قيادة الجيش المباشرة فوراً وبحزم بتنفيذ الخطة (...) في شقّها المتعلّق بحصر السلاح شمال الليطاني وباستعمال جميع الوسائل التي من شأنها ضمان تنفيذ الخطة (بند 2)».
وفي جلسة الخامس من آذار، طلبت الحكومة من الوزارات والإدارات المعنية وسائر الأجهزة العسكرية والأمنية «إعطاء التوجيهات والتعليمات المناسبة للتحقّق من وجود عناصر من الحرس الثوري الإيراني في لبنان والتدخّل الحازم والفوري لمنع أي نشاط أو عمل أمني أو عسكري قد يقومون به انطلاقاً من الأراضي اللبنانية (...) وتوقيفهم تحت إشراف القضاء المختص تمهيداً لترحيلهم (بند 24)».
واستُكملت المقاربة الأمنية مع جلسة 26 آذار الماضي باتّخاذ «تدابير جديدة لتعزيز الأمن في العاصمة، وهو ما سيكون ظاهراً للجميع من خلال تكثيف دوريات الجيش وقوى الأمن في المدينة». وتُوّجت هذه القرارات في جلسة 9 نيسان بالطلب «من الجيش والقوى الأمنية المباشرة فوراً بتعزيز بسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية وحدها» (بند 2).
لم يقتصر الأمر على تغليب المقاربة الأمنية على معالجة تداعيات الحرب، بل بدا أن الحكومة استغلّت الظرف الاستثنائي وانشغال الرأي العام بتداعيات العدوان وأزماته اليومية، لتمرير قرارات بالغة الحساسية. ومن أبرزها القرار المثير للجدل الصادر في جلسة 9 نيسان، والقاضي بالترخيص لشركات الإسمنت باستثمار مقالع في عدد من المناطق المأهولة. والأخطر أن مجلس الوزراء اكتفى يومها بإصدار بيان صحافي مُقتضب، من دون الإشارة إلى هذا القرار، كما امتنع عن نشر مُقرّرات الجلسة على موقعه الإلكتروني، ما شكّل عملياً حجباً للمعلومات وعرقلةً لحق المواطنين في الاطّلاع على القرارات العامة ومراقبتها.
حرب الـ2024... بلا دولة
لم يكن انفصال السلطة عن أحوال الناس استثناءً في الحرب الحالية، بل كان امتداداً لنهج سبق أن ظهر بوضوح خلال حرب الأيام الـ 66. فرغم حجم التصعيد آنذاك، بدا أداء المؤسسات الرسمية باهتاً وعاجزاً. فلا مجلس نواب مارس دوره التشريعي بما يواكب الأزمة، ولا حكومة تصرّفت بوصفها سلطة تنفيذية تواجه ظرفاً استثنائياً.
على المستوى التشريعي، يُظهِر استعراض القوانين الصادرة بين 8 تشرين الأول 2023 وتشرين الثاني 2024 أن ما ارتبط مباشرة بالحرب وتداعياتها لم يتجاوز 2% من مجمل التشريعات، في مؤشر صارخ إلى الهوة بين أولويات السلطة وأولويات المواطنين. والأكثر دلالة أن مجلس النواب لم يعقد خلال فترة الحرب أي جلسة مُخصّصة لمواكبة تداعياتها.
وبحسب الدراسة التي أعدّها الباحثون سامي عطالله وسامي زغيب وليا غندور بعنوان «السياسات اللبنانية أثناء حرب إسرائيل عام 2024»، فإن الحرب جرت عملياً في ظل غياب الدولة. فقد اجتمع المجلس النيابي خمس مرات فقط خلال فترة الإسناد والحرب؛ خُصّصت جلستان منها لمناقشة قوانين، وجلسة للموازنة، وجلستان لانتخاب اللجان النيابية.
وخلال تلك الفترة أُقرّ 13 قانوناً، لم يتناول أيٌّ منها الحرب أو آثارها المباشرة، بل انصبّت جميعها على ملفات اعتيادية، كالقروض ومشاريع البنى التحتية وتعديل بعض القوانين الاجتماعية وإقرار الموازنة وتمديد ولاية المجالس البلدية والاختيارية. والأكثر لفتاً أن آخر قانون صدر عن المجلس كان في 26 نيسان 2024، أي قبل نحو خمسة أشهر من اندلاع الحرب.
أمّا الحكومة، فلم تكن أكثر حضوراً. فرغم انعقاد مجلس الوزراء 26 مرة خلال فترة الإسناد والحرب، وإصداره نحو 1813 مرسوماً وقانوناً، 32 منها فقط لها علاقة بالحرب. واقتصرت هذه المراسيم بمعظمها على تحويلات مالية وقبول مساهمات من جهات مانحة، فيما تمثّل الإجراء الوحيد المتعلّق مباشرة بالنازحين بتنظيم امتحانات رسمية استثنائية للطلاب الذين حالت ظروف النزوح دون متابعتهم الدراسة.
وتكشف هذه الحصيلة أن مؤسسات الدولة تعاملت مع الحرب وكأنها حدث عادي، من دون استشعار لطبيعتها الاستثنائية أو لحجم التداعيات التي فرضتها على المجتمع. ويعتبر مدير مركز ترشيد السياسات في الجامعة الأميركية في بيروت، فادي الجردلي، أن هذا الأداء يخرج عن أي «منطق استيعابي» للأزمة.
فبين واقع ضاغط واحتياجات متزايدة، جاءت القرارات والتشريعات دون المستوى المطلوب. وكان يفترض، برأيه، أن تُقرّ إجراءات تتصل مباشرة بسوق العقارات والإيجارات والحماية الاجتماعية، ولا سيما أن آثار النزوح كانت أشد وطأة وأكثر استدامة من تجارب سابقة. ويضيف أن السلطة كان عليها أن تواكب المواطنين الذين فقدوا منازلهم ومصادر استقرارهم، عبر تدخّلات تشريعية وتنفيذية أكثر فعالية، معتبراً أن غياب هذا الدور يصعب تبريره.
ورغم إدراكه محدودية إمكانات الدولة، يرى الجردلي أن المسؤولية كانت تقتضي حضوراً مركزياً أكبر، وقرباً أوثق من الناس، ومواءمة حقيقية بين العملين التشريعي والتنفيذي. كما يشدّد على أهمية تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية والاستفادة من الدعم الدولي المتزايد للدولة اللبنانية، مقروناً بمستويات أعلى من الرقابة والمُساءلة والشفافية، بما يضمن تحويل المساعدات والشراكات الدولية إلى سياسات عامة فاعلة لا مجرّد إجراءات إدارية عابرة.
الجانب الآخر من الأزمة يتمثّل في قطيعة السلطة مع خبراتها السابقة، رغم أن الدولة دفعت أثماناً باهظة في حروب وكوارث متتالية كان يُفترض أن تتحوّل إلى قاعدة لتراكم الدروس وبناء الخطط. لكن ما حصل هو العكس تماماً: لم يُستفد من هذه التجارب، بل جرى تعطيلها أو القفز فوقها. فبدلاً من تطوير لجنة الطوارئ الحكومية والاستفادة من عملها السابق وتصحيح مكامن الخلل فيها، لجأت السلطة إلى استبدالها بآليات جديدة. وإلى جانب ذلك، برز اعتماد شبه كامل على الموارد الخارجية، بما كشف عطبين بنيويين في إدارة الدولة: غياب الاستمرارية المؤسسية، والارتهان للخارج في إدارة الأزمات.
أمّا العطب الثالث، فيكمن في التعامل مع الأزمة على شكل إجراءات متفرّقة ومنفصلة عن بعضها، من دون مقاربة شاملة. ويتجلّى ذلك بوضوح في ملف الإيواء، حيث غاب التدخّل الفاعل للدولة. ففي الحالات الطبيعية، كان يُفترض أن تتجه السلطة إلى تشريعات استثنائية تتيح استخدام المنشآت العامة والخاصة غير المستعملة، لكن ذلك لم يحصل، ما ترك النازحين عرضة لجشع السوق من جهة، وللاستغلال الطائفي من جهة أخرى.
وتشير المحامية فداء عبد الفتاح إلى نماذج عديدة عن هذا الواقع، من ارتفاع غير منضبط في الإيجارات، إلى حالات طرد لأسباب طائفية، وصولاً إلى آلاف الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم في الشوارع من دون مأوى. وتضيف أن السلطة لم تضع أي خطة طوارئ جدّية للإيواء، وأن المراكز القائمة كانت إمّا غير مؤهّلة أو جرى تجهيزها بجهود أهلية خلال الحرب السابقة.
كما لم تُسجّل أي رقابة فعلية على سوق العقارات أو أسعار المواد الغذائية التي شهدت ارتفاعاً كبيراً، في مقابل غياب الشفافية في إدارة الهبات والمساعدات المُقدّمة للحكومة. والنتيجة، بحسب عبد الفتاح، أن الناس تُركوا عملياً من دون حماية: لا إيواء مُنظّماً، ولا رقابة على السوق، ولا ضبط لانهيار الخدمات، فيما تراجعت حتى قدرة الأجهزة الأمنية على حماية الحقوق، ما دفع بعض المواطنين إلى تولّي الدفاع عن أنفسهم. وتختم عبد الفتاح: «كلّما كبّرنا الصورة أكثر نرى أن السلطة بكل فروعها لم تكن أبداً في مستوى الحرب الوجودية التي تُخاض ضدنا».