هادي بلوط (صحيفة الأخبار)
الصراع مع الكيان الإسرائيلي ليس مجرد مواجهة عسكرية أو نزاع سياسي يمكن تأجيله أو التعامل معه كملف منفصل. هو صراع معقّد تتداخل فيه أبعاد متعددة، فهذا الصراع له أبعاد عسكرية تفرض وقائع على الأرض، وأخرى سياسية تعيد رسم التوازنات وتتعداها إلى رسم حدود وبناء أنظمة، وكذا أبعاد اقتصادية تسعى للسيطرة على الموارد بشتى أنواعها، وثقافية تحاول التأثير في الوعي والهوية. وفي جوهره، هو صراع على الوجود نفسه: على الأرض، والتاريخ، والمستقبل.
تبدو الحالة اللبنانية أكثر حساسية وتعقيداً. فلبنان يقع في قلب هذا الصراع جغرافياً وتاريخياً وسياسياً. لذلك لا تقتصر المخاطر عليه على احتمال العدوان أو التهديد الأمني المباشر، بل تمتد إلى ما هو أعمق من ذلك، حيث تصل إلى حد اهتزاز فكرة الدولة نفسها عندما تعجز السلطة عن تعريف الخطر وتحديده، وإلى تفكك الإرادة الوطنية عندما يتحول الخلاف على تفسير الصراع إلى بديل عن مواجهته، وإلى تآكل السيادة عندما يتم الهروب من الواقع بدل التعامل معه.
المشكلة هنا لا تُقرأ بمعيار قوة الخطر وضعفه، بل في كيفية التعامل معه داخلياً. فخطر بهذا المستوى يصبح وجودياً حين يقابل بالارتباك والانقسام، أو مع الميل إلى التقليل من شأنه. من هنا لا تكمن الأزمة في وجود الصراع بحد ذاته، بل في طريقة نظر السلطة إليه: هل نراه كحقيقة تؤثر في مسار البلد وخياراته، أم نحاول تجاهله هرباً من مسؤولياته؟
وهنا يبرز السؤال بوضوح:
أيُّ وطنٍ يمكن أن يستقيم بناؤه إذا قام على إنكار ما يهدده، وأيُّ دولةٍ يمكن أن تكتمل إذا عجزت عن رؤية موقعها الحقيقي في خارطة الصراع، أو ترددت في الاعتراف بما يحيط بها من أخطار؟
إن السؤال - في الحالة اللبنانية - لا يأتي من باب الترف الفكري، ولا من باب التمرين النظري، بل من صميم التجربة التي عاشها ويعيشها هذا البلد، حيث يتقاطع فيه التاريخ مع الجغرافيا، وتتشابك فيه العوامل الداخلية مع الضغوط الخارجية. فينتج واقعاً لا يقبل الإنكار - وإن جرى إنكاره - ولا يسمح بالتجاهل - وإن جرى تجاهله - لأن الصراع فيه ليس حدثاً عابراً، بل هو عنصر أساسي من عناصر حركته والتأثير في حاضره ومستقبله.
لبنان - الذي يقف في قلب الصراع - لا يملك ترف الإنكار، ومع ذلك فإن جزءاً غير قليل من السلطة لا يزال يتصرف وكأن هذا الصراع قابل للتأويل، أو كأن الخطر مجرد احتمال يمكن تأجيل التعامل معه أو التقليل من شأنه. وهنا تبرز المشكلة في أن الإشكال ليس في وجود الصراع، بل في إنكاره، وفي هذا الانفصال بين الواقع كما هو، والإدراك كما ينبغي أن يكون، وهو انفصال يؤدي بالضرورة إلى تعطيل الفعل، وإلى إفراغ السياسة من مضمونها.
لقد تجاوزت العلاقة مع الكيان الإسرائيلي المحتل، منذ اجتياحي 1978 و1982، حدود التوصيفات البسيطة، فلم تعد مجرد علاقة مع جار سيئ يمكن إصلاحه أو احتواؤه، بل تحولت إلى معطى ثابت في الوعي اللبناني، وإلى واقع مفروض بقوة مشروعه القائم على الاحتلال والتوسّع، والذي لم يُخفِ يوماً طبيعته أو أهدافه، ومع ذلك لا يزال النقاش الداخلي يدور حول ما إذا كان هذا الخطر حقيقياً، أو ما إذا كان يستدعي استجابة، وكأننا أمام مسألة نظرية لا أمام واقع يفرض نفسه، وهنا يظهر الخلل الجسيم في البنية السياسية اللبنانية حيث لا اتفاق على تعريف الخطر أو تحديده، وهذا ما يؤدي إلى العجز عن إنتاج سياسة.
ومن هنا، وبعد أكثر من مئة عام على قيامه، يبدو الكيان اللبناني ككيان لم يكتمل بعد: لا بمعنى غياب الشكل، بل بمعنى غياب المضمون، فالدولة موجودة بحدودها لكنها تفتقر إلى قرار سيادي موحد، والمؤسسات قائمة لكنها عاجزة عن امتلاك القدرة الكاملة والمؤثرة، والتوازنات الداخلية قائمة لكنها - وإن كانت تمنع الانهيار - فإنها تمنع في الوقت نفسه التشكّل.
ولهذا لم يعد السؤال: هل الدولة ضعيفة؟ بل: هل الدولة قد اكتملت أصلاً، أم أنها لا تزال في طور التعليق بين ما يجب أن تكونه وما هي عليه الآن؟
إن الواقع اللبناني لا يعكس خروجاً كاملاً من حالة الصراع، بل يعكس تجميداً لها داخل نظام سياسي هش، فيما بقي الخطر الخارجي قائماً، وهو ما أنتج حالة مزدوجة، لا هي حالة دولة مكتملة تستند إلى قوة واضحة، ولا هي حالة فوضى يمكن تجاوزها إلى بناء جديد، بل حالة وسط معلّقة بطبيعتها، وتنتج حلولاً مؤقتة بطبيعتها أيضاً، لأنها لا تعالج الجذور ولا تدير النتائج.
وفي خضم هذا الفراغ نشأت المقاومة خارج قيود الخيارات الإيديولوجية الصرفة، كاستجابة واقعية لحاجة وطنية ملحّة فرضها الاحتلال، إذ إن الاحتلال جاء أولاً ثم جاءت المقاومة، فكان الفعل سابقاً على التبرير والواقع سابقاً على التنظير، ومن هنا يصبح من الضروري إعادة ترتيب النقاش، لأن المقاومة ليست سبب المشكلة اللبنانية، إذ حين تعجز الدولة عن أداء وظيفتها الأساسية في الحماية لا تختفي هذه الوظيفة، بل تنتقل إلى المجتمع، الذي يستعيد حقه الطبيعي في الدفاع عن نفسه، فتتحول السيادة من إطارها الرسمي إلى تعبيرها الشعبي.
غير أن هذا الواقع - رغم ضرورته - يفتح باب إشكالية أخرى، تتعلق بمفهوم الدولة ذاته، لأن هناك من يرى أن الدولة في جوهرها هي الإطار الذي يحتكر القوة وينظمها، وعندما تتعدد مصادر القوة فإن ذلك يدل على خلل في اكتمال هذا الإطار، لا على مجرد تنافس داخلي. ومن هنا يبرز السؤال الأكثر بديهية تحت وطأة هذا الخطر الوجودي المتواصل: هل يمكن بناء احتكار القوة قبل بناء القدرة؟ أم أن القدرة هي التي تؤسس لهذا الاحتكار؟ وهل يجوز أن يُطلب من المجتمع التخلي عن أدوات دفاعه في وقت لم تمتلك فيه الدولة بديلاً حقيقياً عنها؟
إن التجربة اللبنانية تقدّم جواباً واضحاً أنه لا يمكن ذلك، لأن القدرة في هذا الظرف ليست تفصيلاً يمكن تأجيله والتعاطي معه كحالة باردة، بل هي شرط في قيام الدولة، وكل محاولة لتجاوز هذا الشرط أو القفز فوقه تؤدي إلى إضعاف الدولة لا إلى تقويتها.
وقد أثبتت الوقائع أن الرهان على الخارج لم ينجح، وأن الاتكاء على ما يسمى صداقات دولية لم يكن كافياً، بل لم يكن مجدياً أصلاً، لأن هذه الصداقات - في أفضل حالاتها - تبقى ناقصة، والنقص - في المسائل السيادية - لا يُحتمل، إذ إن الدول لا تُحمى بالنوايا والخطابات الخشبية، بل بما تملك من قدرة فعلية.
وفي هذا السياق تبرز المقاومة كأحد تعبيرات القوة الواقعية في لبنان، لا لأنها تمثل نموذجاً مثالياً خالياً من الإشكالات، بل لأنها استجابت لحاجة لم تستطع الدولة تلبيتها، وقد حاولت المقاومة سابقاً - ولا تزال - أن تكون جزءاً من معادلة وطنية تكون فيها سنداً للدولة لا بديلاً عنها، غير أن المشكلة لم تكن في وجود هذه القوة، بل في غياب الإطار الوطني الجامع الذي يستوعبها ويوجهها ضمن رؤية واحدة، فبدلاً من أن تتحول إلى عنصر قوة داخل مشروع الدولة، تحولت بسلوك واعٍ من السلطة إلى محور انقسام، فعاد الإنكار من جديد ولكن بصيغة مضاعفة، إذ لم يعد إنكاراً لوجود الصراع فقط، بل أصبح إنكاراً لأدوات مواجهته أيضاً.
ومن جهة أخرى، لا يمكن النظر إلى لبنان بمعزل عن محيطه، لأنه جزء من بيئة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات وتتجاوز فيها المخاطر حدود طرف واحد، ولذلك فإن الحديث عن الحياد في مثل هذا السياق يتحول إلى وهم، إذ يبدو لبنان كأنه سفينة في بحر مفتوح، لا تملك خيار تغيير موقعها، لكنها تملك خيار إدارة العاصفة التي تواجهها، غير أن المشكلة لا تكمن في العاصفة نفسها بل في وعي من على السفينة، إذ إن بعضهم لا يزال يناقش وجودها، فيما يتصرف البعض الآخر وكأن بالإمكان النجاة فرادى، وكأن المصير الوطني يمكن أن يُقسّم، بينما الحقيقة أن المصير واحد لا يقبل التجزئة، فالسفينة إما أن تنجو بكل ركابها، أو تغرق بهم جميعاً.
لذا، وبناءً على ما تقدّم، فإن إنكار الصراع لا يمكن أن يكون أساساً لبناء دولة لأنه ليس موقفاً سياسياً، بل تعطيل للسياسة نفسها، فالدولة تبدأ حين تعترف بالخطر المحدق بها وتحدد موقعها منه، وتبني قدرتها على هذا الأساس، وما عدا ذلك ليس تأسيساً لدولة، بل هي مشاريع دولة ولدت ميتة، أو إدارة مؤقتة لكسب مصالح فئوية أو شخصية، وهذه الأزمة الشاقة قد تتأجل نتائجها لكنها لن تختفي.