دوللي بشعلاني (صحيفة الديار)
لا تبدو الجولة الثالثة من المحادثات التمهيدية بين لبنان و"إسرائيل" المرتقبة الأسبوع المقبل في واشنطن، مجرّد محطة تفاوضية إضافية، بل أقرب إلى محاولة أميركية عاجلة، لمنع انهيار الهدنة الحالية قبل انتهاء مهلة تمديدها في 17 أيار الجاري. فبحسب مصادر سياسية مطلعة على الاتصالات الأميركية – اللبنانية، تكثّفت خلال الأيام الماضية المشاورات الديبلوماسية بين واشنطن وبيروت، على وقع التصعيد "الإسرائيلي" الأخير، من أجل عقد الجولة الجديدة قبل انتهاء المهلة الحالية، تماماً كما حصل قبيل الجولة الثانية، التي ترافقت مع تمديد وقف إطلاق النار لأسابيع إضافية.
وما يرفع من أهمية هذه الجولة أنّ المسار اللبناني لم يعد منفصلاً عن المفاوضات الأميركية – الإيرانية الجارية في الكواليس، والتي تقول مصادر ديبلوماسية غربية إنها تقترب من تفاهم أولي أو "مذكرة مبادئ" بين واشنطن وطهران. وتنظر الإدارة الأميركية إلى الجبهة اللبنانية اليوم، باعتبارها إحدى ساحات الاختبار الأساسية لأي تهدئة إقليمية أوسع، ولذلك تسعى إلى منع انفجارها، في لحظة تعتبرها شديدة الحساسية بالنسبة إلى المفاوضات مع إيران.
وتضيف المصادر أنّ واشنطن باتت تتعامل مع تمديد وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، كجزء من ترتيبات إقليمية مترابطة. ولهذا كلّما اقترب الأميركيون والإيرانيون من تفاهم ما، ارتفعت تلقائياً فرص تثبيت التهدئة جنوباً وتمديدها لفترات أطول. إلا أنّ هذا الترابط نفسه يثير في بيروت مخاوف متزايدة، من أن يتحوّل لبنان إلى مجرد "ملف مؤقت" داخل التفاهم الأميركي–الإيراني، بحيث تبقى التهدئة قابلة للاهتزاز فور تعثّر المسار الأكبر أو تبدّل الحسابات "الإسرائيلية".
ومن هنا تحديداً، تقول المصادر، جاء تشدّد رئيس مجلس النواب نبيه برّي في الحديث عن "الضمانات". وبرّي لم يغيّر موقفه الجوهري من فكرة التطبيع أو الذهاب إلى مفاوضات سياسية مباشرة مع "إسرائيل"، لكنه في المقابل لم يعد يتعامل مع الاتصالات القائمة بوصفها خطاً أحمر، بل كمسار اضطراري لوقف الحرب ومنع تثبيت واقع أمني جديد في الجنوب بقوّة الإحتلال. وهنا يكمن الفرق، بين "رفض المفاوضات" و"التحذير منها بلا ضمانات".
وبحسب المصادر، يعتبر برّي أنّ التجارب اللبنانية السابقة مع "إسرائيل" – من تفاهم نيسان إلى القرار 1701 واتفاق ترسيم الحدود البحرية، وصولاً إلى اتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني 2024 – أثبتت أنّ المشكلة لا تكمن في صياغة التفاهمات، بل في التزام "إسرائيل" بها. لذلك، لم يعد السؤال بالنسبة إليه إذا كان لبنان سيشارك في جولة ثالثة أو رابعة، بل ماذا سيحصل بعدها، وكيف يمكن منع "إسرائيل" من تحويل أي هدنة إلى مجرد استراحة عملياتية، تعود بعدها إلى الضرب متى تشاء؟ لذلك، فإنّ الضمانات التي يُقال إن برّي يطالب بها تتضمّن عملياً:
1- رعاية أميركية مباشرة ومستمرة، أي ألا تكتفي واشنطن بدور الوسيط عند التوقيع ثم تنسحب، بل تتحوّل إلى "ضامن سياسي" لأي تفاهم.
2- آلية مراقبة واضحة للخروقات، مع لجنة متابعة دائمة تشبه آلية مراقبة تفاهم نيسان، لكن بصلاحيات أوسع وتدخّل أميركي مباشر.
3- ربط أي خرق "إسرائيلي" بكلفة سياسية أو ديبلوماسية. وهذه نقطة حسّاسة، لأنّ لبنان يريد التزاماً أميركياً بأن أي غارات "إسرائيلية" غير مبرّرة ستُعتبر خرقاً للتفاهم، لا "حقاً بالدفاع عن التفس".
4- عدم استخدام المفاوضات لتغطية مطلب نزع سلاح حزب الله فوراً، إذ تشير التسريبات إلى أنّ برّي والرئاسة يحاولان الفصل بين تثبيت التهدئة والانسحاب "الإسرائيلي"، وبين أي نقاش داخلي طويل حول الاستراتيجية الدفاعية أو سلاح الحزب.
من هنا، تكشف المصادر أنّ لبنان يدخل الجولة الثالثة المرتقبة في واشنطن بهدف تثبيت سلّة مطالب أمنية – سيادية يعتبرها شرطاً لأي تمديد طويل للتهدئة، أو أي انتقال إلى تفاهم أوسع. وأبرز ما يُتوقّع أن يطالب به الجانب اللبناني:
1- تثبيت وقف إطلاق النار، أي وقف كامل للغارات والخروقات "الإسرائيلية"، وخصوصاً الضربات داخل العمق اللبناني وليس فقط جنوب الليطاني. فالضربة الأخيرة على الضاحية الجنوبية أعادت هذا البند إلى رأس الأولويات، لأنّ بيروت تعتبر أنّ "إسرائيل" تحاول فرض "حقّ ضرب إستباقي دائم" حتى أثناء التهدئة.
2- انسحاب "إسرائيلي" من النقاط الحدودية المتنازع عليها، التي بقي "الجيش الإسرائيلي" فيها بعد الحرب الأخيرة، فضلاً عن استكمال النقاش حول النقاط البرية الـ13 المختلف عليها منذ سنوات.
3- ربط أي ترتيبات أمنية بدور الجيش اللبناني حصراً، وليس بقوات متعدّدة الجنسيات بديلة، أو بقواعد اشتباك جديدة تُفسَّر كوصاية أمنية دولية على الجنوب.
4- ملف الأسرى والموقوفين اللبنانيين، والذي عاد بقوة في الطرح المصري–الأميركي الأخير، بوصفه جزءاً من "حزمة التهدئة".
5- الحصول على ضمانات أميركية مكتوبة أو شبه مكتوبة ، تمنع "إسرائيل" من العودة إلى العمليات العسكرية الواسعة فور انتهاء كلّ جولة تفاوضية.
لذلك، تبدو الأيام الفاصلة عن 17 أيار حاسمة. فإذا نجحت الولايات المتحدة في جمع الوفدين مجدداً في واشنطن قبل انتهاء المهلة الحالية، فسيُعلن على الأرجح تمديد جديد للهدنة، مدفوعاً أيضاً بمناخ التهدئة الأميركي–الإيراني، تمهيداً للانتقال إلى مفاوضات أكثر تفصيلاً حول الحدود والإنسحاب والانتشار الأمني واسترجاع الأسرى وعودة الأهالي وإعادة الإعمار. أما إذا تعثّرت الاتصالات أو اهتز المسار الأميركي–الإيراني نفسه، فإنّ المنطقة قد تدخل مجدداً في مرحلة "الهدنة المعلّقة"، حيث تبقى الحرب مؤجّلة من دون أن تكون ممنوعة فعلاً.