اوراق خاصة

الشهيد علي لاريجاني الفيلسوف الإيديولوجي بين النقد العلمي والآخر العنصري

post-img

آيات عبد المنعم/كاتبة مصرية

حين بلغت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية ذروتها، والتي تقاوم هيمنة الإمبريالية العالمية وتحدّ من طغيان نفوذها في المنطقة؛ برز سجال فلسفي على هامش هذه الحرب المحتدمة، منذ فجر يوم الثلاثاء (17 مارس/آذار 2026)، عندما استشهد الدكتور علي لاريجاني إثر غارة جوية إسرائيلية استهدفته في مبنى في ضواحي العاصمة طهران، حيث كان موجودًا برفقة نجله مرتضى وعدد من مرافقيه.

لا مناص من أن تحضر الأراء الفلسفية لتدلو بدلوها؛ حين يغيب عن المشهد شخصية فلسفيّة سياسية بارزة مثل "لاريجاني" السياسي الإيراني والمفكر الإستراتيجي، والذي نال شهادتي الماجستير والدكتوراه في الفلسفة الغربية من جامعة طهران، حين قدّم أطروحته عن الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، بالإضافة إلى بكالوريوس في الرياضيات وعلوم الحاسوب من جامعة شريف التقنية. عُرف بأنه "رجل المهمات الصعبة" وصاحب عقل مدبّر في مجالات الأمن القومي والإعلام والمفاوضات النووية.

كثير من أساتذة الفلسفة الكبار، في الوطن العربي وخارجه، نعوا الفيلسوف الشهيد لاريجاني، وأثنوا على مكانته العلمية الفلسفية، وبعضهم تحفّظ على نهجه الفلسفي وسلوكه السياسي. من الذين أثنوا على مكانته العلمية الدكتورة المصرية يمنى طريف الخولي، وهي أستاذة فلسفة العلوم ومناهج البحث العلمي في جامعة القاهرة، في صفحتها على "الفيسبوك" بكلمات فلسفيّة وأدبية؛ فقالت: "وداعا علي لاريجاني.. زميل فلسفة العلم"؛ وعددت المجالات الفلسفية التي خاضها؛ ثم توسعت اهتماماته حتى شملت الفلسفة البوبرية في تمييز العلم ومعيار القابلية للتكذيب ونقد الوضعية والمنطقية والعلاقة بين العلم والميتافيزيقا، والتي كانت بمثابة خطوط متوازية مع اهتمامات "الخولي"؛ لاسيما ضرورة اقتلاع "شجرة الحداثة المتعفنة"؛ على حد تعبيرها.

نقد علمي وكلمة حق

في عالم طغى عليه الخطاب السياسي الصاخب، أطلّ "ألكسندر دوجين" بمنشورٍ مختلف، يستحضر فيه حوارًا عميقًا جمعه مع "لاريجاني"؛ حتى إن المترجم الذي كان بينهما -كما يروي دوجين- وجد نفسه مرهقًا أمام صعوبة نقل هذا النوع من الحوار، عن فضاءات الفكر الميتافيزيقي والسهروردي و"العقل العاشر"، و"عالم الملكوت"، فلسفة تتجاوز العقلانية الغربية، فأشار دوجين إلى أن الحوار لم يكن حول إيمانويل كانط، رمز الفلسفة العقلانية الغربية.. ما يعكس انغماسًا في التراث الفلسفي الإسلامي، إذ يُنظر إلى المعرفة تجربة روحيّة تتجاوز حدود الحس والعقل معًا.

أبدى دوغين أسفهِ لاغتيال لاريجاني مستنكرًا، ودوّن في صفحته على تويتر: "لماذا تقتلون الفلاسفة؟ إنهم بهذه الندرة... الآن هو في الجنة. وما نزال نحن في الجحيم!". وكأنّ سؤال دوغين يحمل في طياته نقدًا ضمنيًا لزمن فقد فيه الفكر العميق مكانته لمصلحة خطاب مشبع بالتفاهة والسطحية، وربما الجحيم الذي عبر عنه دوغين كان نوعا من الاستعارة الفلسفية التي تعكس الفارق الكبير بين من يعيش عالم المعنى والقيم ومن يظل حبيس الواقع المادي المضطرب.

"فلاسفة" عرب وتحيّز عنصري

نجد في المقلب الآخر غياب اللغة النقدية العلمية عند ممن يسمّون أنفسهم فلاسفة من العرب، فقد غلبت عبارات الاستهجان والتهكم الذي وصل إلى حد التجريح على مواقع التواصل الإجتماعي، فيقول أحدهم:"لقد درس كانط من مؤخرته!" والآخر يضع عبارة "فيلسوف" بين قوسين، أي يتحفظ على منحه هذا اللقب!. ..ربما هؤلاء الفلاسفة يتعجبون من "الشهيد علي لاريجاني" كيف باع عقلهُ الفلسفي لمصلحة الدين ليكون عبدًا لله -عزّ وجل- وجندي مُخلص في نظام ولاية الفقيه السياسي، استنكروا حضوره في المساجد وفي ساحات الجهاد وعلى أعتاب مجالس الذكر والفكر.. يتساءلون كيف تخلىٰ عن الفلسفة !

أعتقد أنّ الفلاسفة الذين أسقطوا من معاييرهم اللغة النقدية العلمية، وقعوا في مجموعة أخطاء معرفيّة، تجعل العقل الفلسفي أسيرًا لوجهة نظر معينة ترفض أي فكر آخر خارج أسوارها. نستطيع أن نذكرها بإيجاز في ما يلي:

أزمات هؤلاء الفلاسفة المعرفيّة والأخلاقيّة:

أولًا- هم يُفصِّلون فلسفة متحجرة على مقاس عقولهم على غرار مغالطة سرير بروكرست؛ مع علمهم أنَّ ساحة الفلسفة تتسع لطرائق التفكير العلمي ومناهجه كلها (العقلي/ والنقلي/ والتجريبي/ والإشراقي).

ثانيًا:  هم يعانون ازدواجية في المعايير، والتي هي من آفات بعض المثقفين، يرفعون شعارات الحرية الفكرية وتقبل الآخر؛ وما أن يأتي عقل مغاير لطرحهم تخرج شخصية الفيلسوف المستبد.

ثالثًا: النظرة الإقصائية من الأمراض المعرفيّة التي قد تصيب بعضهم. على سبيل المثال، نجد مفكرين عرب يتقبلون تناقضات الفكر الغربي بنظرة=ته الإستعلائية للآخر، ويدرسونه على أنه تجربة إنسانيّة، ويتجاوزن سلبياته. في المقابل؛ يتعاملون بكلِّ حدة مع التراث الفكري الإسلامي، ويقصون علماءه وفلاسفته تحت ذريعة واهية بأنَّ العقل الغيبي محدود وماضوي وخاضع لنواميس الشريعة، ولا يُنتج أي معرفة.

رابعًا: من يعيب الآخر قد يفعلُ مثله؛ من حيث لا يدري؛ فمن انتقد لاريجاني على عدم تحرره من الرؤية الدينية، ويراها نقصًا معرفيًّا؛ يجسدون التبعية الفكرية للغرب العنصري؛ فتجدهم أتباع أفكار وتصورات بشريّة يعتنقوها ويحاربون كل من يخالفهم. لطالما وجدنا أستاتذة كبار يؤلهون فيلسوف ما، ومن غير المسموح نقده علميًا والمساس بذاته المقدسة، فلا تتعجب وأنت تدخل قسم الفلسفة حين تجد أتباع كانط وهيجل وكارل بوبر، أو أتباع الفلاسفة القدماء أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو..

السؤال برسم التفكير الحُرّ.. ماذا اختلفتم عن المذاهب الدينية؟ غير تلك المصطلحات الفلسفية التي تنطق بها شفاهكم!

يظلّ السؤال الأبرز الذي نضعه برسم النخب الفكرية العربية التي تنتقد المفكر الراحل علي لاريجاني: ما المشروع الفكري والحضاري الذي تطرحونه لانتشال الأمة من نكبتها الاقتصادية والاجتماعية والمعرفية وتفعيل دورها أمام هجمة الصهيوأمريكية الشرسة؟

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد