اوراق مختارة

هل سيرفع "المركزي" قيمة السحوبات للمودعين؟!

post-img

أميمة شمس الدين (صحيفة الديار)

منذ بدء العدوان الإسرائيلي على لبنان، يستمر ارتفاع أسعار كافة السلع بشكل جنوني، نتيجة إرتفاع الأسعار العالمية، سيما سعر النفط، حيث تجاوز سعر صفيحة البنزين المئة دولار. هذه الإرتفاعات في الأسعار شكلت عبئاً كبيراً على اللبنانيين بمن فيهم المودعون، حيث أصبحت قيمة السحوبات التي يجيزها لهم التعميمان 158 و166 ، غير كافية لتلبية متطلبات الحياة الأساسية .

وفي ظل هذا الواقع، كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن إمكانية إقدام مصرف لبنان على زيادة السحوبات الشهرية للمودعين بموجب التعميمين 158 و166، الا ان هذا الطرح أثار بلبلة، لأن المبالغ التي ستُدفع بموجب هذين التعميمين، من المُتوقع ان يتم احتسابها من حسابات المودعين، وان تُحسم تلقائيا من أي دفعات مستقبلية لهم.

ما دقة هذه المعلومات؟ وما هي تداعيات زيادة نسبة السحوبات؟ و من أين سيؤمن "المركزي" الأموال؟ مع العلم أن الإحتياطي انخفض لديه.

نعيش أزمة ملاءة عميقة

في هذا الإطار يقول الباحث المقيم لدي كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال (OSB) في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB) ، وخبير المخاطر المصرفية الدكتور محمد فحيلي لـ "الديار": "ما يُطرح حول ضرورة رفع سقوف السحوبات بالدولار وفق تعاميم مصرف لبنان الأساسية، ولا سيما التعميمين 158 و166، يبدو في ظاهره استجابة لمعاناة حقيقية يعيشها المودعون، لكن في جوهره هو طرح أقرب إلى الشعبوية منه إلى السياسة النقدية الرشيدة"، معتبراً أن "أي نقاش جدي في هذا الملف، يجب أن ينطلق من سؤال أساسي: ما هو دور المصرف المركزي في لحظة أزمة وجودية كالتي يمر بها لبنان"؟

ويضيف: "في كل دول العالم، عندما تصل الأزمات إلى مستويات تهدد الاستقرار النقدي والاقتصادي، تتحول مهمة المصارف المركزية من إدارة النمو إلى إدارة الندرة ، ويصبح الحفاظ على ما تبقى من احتياطات بالعملة الأجنبية أولوية مطلقة، لا ترفاً سياسياً"، لافتاً أن "لبنان اليوم هو النموذج الأوضح لهذه القاعدة"، مؤكداً أن "ما تبقى من احتياطات بالدولار ليس ملكاً آنياً يمكن توزيعه تحت ضغط الشارع، بل هو خط الدفاع الأخير لاقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد، من الطاقة إلى الدواء إلى الغذاء".

واعتبر أن "هذا الطرح يتجاهل طبيعة الأزمة نفسها، فنحن لا نعيش أزمة سيولة عابرة، بل أزمة ملاءة عميقة، حيث تتجاوز الخسائر في القطاع المالي بكثير الموارد المتاحة ".

إحتياطي الذهب

في سياق آخر تحدث فحيلي عن إحتياطي الذهب في لبنان، وقال: "يبرز ملف الذهب كأحد أكثر المواضيع حساسية وإثارة للجدل، فلبنان يمتلك واحداً من أكبر احتياطات الذهب في المنطقة، وهو ما يُنظر إليه كـ"خميرة" يمكن استخدامها لإطلاق مسار إنقاذي. من حيث المبدأ، التفكير باستخدام جزء من هذا الذهب ليس محرماً اقتصادياً، بل على العكس في بعض الحالات الاستثنائية، قد يكون توظيف جزء من الأصول السيادية أمراً مشروعاً، إذا تم ضمن إطار واضح وشفاف يخدم المصلحة العامة".

ورأى "أن السؤال الجوهري ليس تقنياً، بل حوكمي بامتياز"، متسائلاً "هل يمكن الوثوق بمنظومة سياسية وإدارية متهمة بهدر المال العام والزبائنية، لتتولى إدارة هذا المورد الاستراتيجي"؟ وشدد على "ضرورة أن يترافق أي استخدام للذهب مع إصلاحات مؤسساتية عميقة، تشمل تعزيز الشفافية، استقلالية القرار المالي، وإرساء قواعد صارمة للمساءلة".

ويقول "لبنان اليوم يقف أمام مفترق طرق حقيقي. الخيار الأول هو الاستمرار في سياسات الترقيع، عبر قرارات شعبوية من نوع رفع السحوبات أو استخدام الاحتياطات بشكل عشوائي، وهو مسار يقود حتماً إلى استنزاف ما تبقى من مقومات الصمود. أما الخيار الثاني، فهو مواجهة الحقيقة كما هي: لا إنقاذ من دون إصلاح، ولا توزيع عادل للخسائر من دون إعادة بناء الثقة بالمؤسسات، وفي هذا السياق، يصبح شعار "الإصلاح أولاً" ليس مجرد موقف سياسي، بل شرط وجودي لأي نقاش اقتصادي جدي".

أما بالنسبة للمودعين اعتبر فحيلي "أنهم في صلب هذه المعادلة، فلا يمكن حمايتهم عبر قرارات آنية تعطيهم جزءاً من أموالهم اليوم على حساب مستقبلهم غداً، فالحماية الحقيقية لهم تمر عبر نظام مالي معاد هيكلته، قادر على استعادة وظيفته الأساسية: الوساطة المالية وخدمة الاقتصاد الحقيقي"، مؤكداً أن لبنان "لا يحتاج إلى قرارات سهلة، بل إلى قرارات صحيحة. والفرق بينهما هو ما سيحدد إذا كنا أمام بداية مسار تعافٍ حقيقي، أو مجرد تأجيل جديد لانفجار أكبر".

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد