شانتال عاصي (صحيفة الديار)
بينما تنشغل شاشات الأخبار بإحصاء الخسائر البشرية والعمرانية، تترسب خلف الدخان آثار "غير مرئية" تهدد شريان الحياة في لبنان لسنوات طويلة القادمة. إن الحرب الجارية اليوم ليست مجرد صراع عسكري، بل هي زلزال بيئي صامت يعيد تشكيل تضاريس الجنوب والبقاع، ويغرس سمومًا في التربة والهواء والمياه، متجاوزًا بمراحل ما شهدناه في نزاعات سابقة.
التحول الكيميائي للأراضي الزراعية
تتعرض التربة في جنوب لبنان والبقاع لعملية "اغتيال كيميائي" تتجاوز مجرد الحرق السطحي، حيث يؤدي الاستخدام المكثف للقذائف الحارقة، لاسيما الفوسفور الأبيض، إلى تغيير جذري في الخصائص الفيزيائية والكيميائية للأرض. إن تراكم المعادن الثقيلة مثل الرصاص والزئبق وحتى اليورانيوم المنضب في المسامات العميقة للتربة لا يهدد المحاصيل الحالية فحسب، بل يمتد أثره ليتغلغل في الأنسجة النباتية، محولاً الأراضي التي كانت تُعرف بـ "سلة الغذاء" إلى مساحات مشبعة بالسموم التي قد تنتقل عبر السلسلة الغذائية إلى الإنسان لسنوات طوال. هذا التلوث يرافقه القضاء التام على "الميكروبيوم" الزراعي، وهي الكائنات الدقيقة الضرورية لخصوبة الأرض، مما يجعل استصلاح هذه المساحات مهمة تتطلب عقوداً من العمل العلمي المضني لاستعادة توازنها الحيوي.
الانتحار البيئي وفقدان الموروث الأخضر المعمر
إن احتراق آلاف الهكتارات من الأحراج وأشجار الزيتون التي يتجاوز عمر بعضها نصف ألف عام يمثل خسارة لا يمكن تعويضها بالمقاييس الاقتصادية التقليدية، بل هو "انتحار بيئي" يفكك أنظمة التوازن الطبيعي في المنطقة. فمع غياب الغطاء النباتي بفعل القصف الممنهج، تفقد الجبال والمنحدرات قدرتها الطبيعية على امتصاص مياه الأمطار، مما يمهد الطريق لكوارث مستقبلية تتمثل في انجراف التربة السطحية الغنية ووقوع السيول الجارفة التي تزيد من تآكل التضاريس. علاوة على ذلك، يقع لبنان في قلب ممرات هجرة الطيور العالمية، والضجيج العسكري مع السموم الجوية يغيران المسارات الفطرية لهذه الكائنات، مما يؤدي إلى انهيار في التنوع البيولوجي المحلي الذي يدعم المكافحة الطبيعية للآفات ويحافظ على التوازن البيئي بين البر والبحر.
السموم الجوية العابرة للحدود
لا يتوقف أثر الانفجارات عند حدود موقع القصف، بل يتحول الهواء إلى ناقل لمزيج كيميائي معقد من الجسيمات الدقيقة والغازات السامة الناتجة عن احتراق مخازن الوقود والمواد الإنشائية والمصانع. هذه الانبعاثات، عندما تتفاعل مع الرطوبة الجوية، تشكل ما يعرف بالترسيبات الحمضية التي قد تسقط على شكل أمطار تزيد من ملوحة التربة وتسمم المسطحات المائية المكشوفة مثل نهر الليطاني، فضلاً عن تأثيرها المباشر على الجهاز التنفسي للسكان المقيمين والنازحين على حد سواء. إن التكلفة المناخية لهذه الحرب ترفع من البصمة الكربونية للدولة بشكل هائل، مما ينسف جهود سنوات من العمل البيئي للحد من التغير المناخي ويضع لبنان في مواجهة تحديات بيئية كونية بضغوط محلية خانقة.
هذا ولا ينتهي الأثر الكيميائي للصواريخ والمقذوفات عند لحظة الانفجار، بل يمتد ليتخذ شكلاً أكثر خطورة عبر ما يمكن تسميته "الدورة الهيدرولوجية الملوثة". فالمواد الداسرة والمتفجرات تطلق عند احتراقها كميات هائلة من أكاسيد النيتروجين والكبريت ومركبات الكلور التي تتصاعد لتستقر في طبقات الجو القريبة. وعند حدوث التكثف، تذوب هذه الغازات في قطرات المطر لتتحول إلى أحماض قوية، مما يؤدي إلى هطول "أمطار حمضية" غير مرئية تُغير من معامل الحموضة للتربة والغابات في مناطق واسعة. هذا التغير الكيميائي المفاجئ يؤدي إلى "غسل" العناصر الغذائية الأساسية مثل الكالسيوم والمغنيسيوم من التربة، وفي المقابل، يحرر المعادن السامة مثل الألمنيوم المرتبط بذرات الطين، مما يسبب تسمماً تدريجياً لجذور الأشجار المعمرة وموت الأحياء المائية في البرك والأنهر الجبلية. إننا أمام عملية "تسميم هادئ" للموارد المائية والغطاء النباتي، حيث تتحول الغيوم من مصدر للحياة إلى ناقل لترسبات حمضية تُضعف مناعة الغابات اللبنانية وتجعلها أكثر عرضة لليابس والأمراض الفطرية.
مخاطر الركام والتهديد الخفي للمياه الجوفية
تمثل أطنان الركام المتراكمة من المباني المهدمة قنبلة موقوتة تهدد الأمن المائي، حيث تحتوي بقايا الإسمنت والحديد والأسلاك والمواد العازلة على مركبات كيميائية وأصباغ سامة، وربما مادة "الأسبستوس" الخطرة. ومع غياب خطط معالجة الركام "الملوث عسكرياً"، تتسرب عصارة هذه النفايات الصلبة مع مياه الأمطار إلى طبقات الأرض العميقة، وصولاً إلى الخزانات الجوفية التي يعتمد عليها اللبنانيون في شربهم وريّهم، مما ينذر بكارثة صحية صامتة. إن التخلص العشوائي من هذه المخلفات في الوديان أو بالقرب من الشواطئ ينقل التلوث من بيئة اليابسة إلى النظم البحرية، مما يهدد الثروة السمكية ويخلق دورة تلوث مغلقة يصعب كسرها دون تدخل دولي وتقني متخصص لتوصيف هذه الانتهاكات كجريمة "إبادة بيئية" متكاملة الأركان.
أخيراً، إنّ التدمير الممنهج للنظم البيئية في لبنان يثبت أن الحرب لا تنتهي بوقف إطلاق النار، بل تترك وراءها إرثاً ساماً يتغلغل في صلب الحياة اليومية. إن مواجهة آثار التحمض الجوي، وتلوث المياه الجوفية بعصارة الركام، والاغتيال الكيميائي للتربة، تتطلب انتقالاً فورياً من منطق إحصاء الخسائر إلى استراتيجية الأمن البيئي الشامل.
إن إعادة إعمار الحجر تبقى منقوصة ما لم تقترن بخطط تقنية لتنقية الأرض واستعادة التوازن الحيوي، فحماية الموارد الطبيعية اليوم هي الضمانة الوحيدة لحق الأجيال القادمة في أرض صالحة للحياة، وماءٍ وهواءٍ خالٍ من سموم النزاعات التي لا تموت بمرور الزمن.