آيات عبد المنعم/ كاتبة مصرية
شهد محيط السراي الحكومي، في العاصمة اللبنانية بيروت في (9 نيسان 2026)، وقفة احتجاجية غاضبة؛ جاءت عقب الغارات الجوية العنيفة والمجازر التي وقعت منذ يومين في مختلف المناطق اللبنانية، والتي وُصفت بالأعنف منذ بداية الحرب، حيث سجلت وزارة الصحة العامة اللبنانية حصيلة غير نهائية ليوم واحد أكثر من 303 شهيدًا و 1150 جريحًا، وسط استمرار عمليات إنقاذ مكثفة عن مفقودين تحت الركام.
تزامنت هذه الوقفة الاحتجاجية مع إعلان الدولة اللبنانية الحداد العام، يوم الخميس (9 نيسان 2026)، وتنكيس الأعلام، مع إقفال تام للإدارات والمؤسسات العامة والبلديات حدادًا على أرواح الضحايا.
مطالب الوقفة الاحتجاجية
مع أن هذه الوقفة الاحجتاجية لم تأت بُناءً على دعوة رسميّة تبنتها أحد الأحزاب أو الرموز السياسية المعروفة في الساحة اللبنانية، لكن نستطيع أن نكشف مطالبها مع ناطقها الرسمي، وهو الجرح النازف من أهالي الشهداء الذين لم يستطيعوا الاكتفاء بالرفض والاستنكار من خلف الشاشات وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، فرأوا أن دماء شهدائهم والملاحم البطولية على الحدود تفرض عليهم التحرك لمحاسبة الحكومة التي خذلتهم، لتسمع صوتهم وكل من يعنيه الأمر، فالمسألة بنظرهم لم تعد منشورات؛ هي قضية كرامة ووجود.
لقد جاءت صرخة أهالي الضحايا الذين لمّا تجف دماء ذويهم بعد، على الرغم من الآلام وظروف الحرب القاسية ومعاناة النزوح؛ فقد احتشدوا أمام السراي الحكومي اللبناني تحت شعار"لن نسكت بعد اليوم"، انضم إليهم فئات شعبية وطنية عبرت عن تضامنها مع تلك الفاجعة الكبرى التي ألمت بالوطن. أبدى المحتجون استنكارهم لموقف الحكومة اللبنانية الذي رفض شمل لبنان باتفاق وقف إطلاق النار الأخير لمدة أسبوعين بين إيران وأمريكا برعاية باكستان التي أكدت أن لبنان الرسمي هو من رفض شمل لبنان في الاتفاق؛ مع إصرار إيران على دخول لبنان في وقف إطلاق النار شرطًا أساسيًا لمتابعة المفاوضات.. بناءً على موقف الحكومة اللبنانية رأى المحتجون أنَّ حكومتهم شريكة في الدم الذي سفك غدرًا في الغارات الإسرائيلية الأخيرة.
ما زاد من غضب المتظاهرين أداء الحكومة اللبنانية الذي يتوافق والسردية الإسرائيلية وتزيفها الوقائع. إذ أفادت تقارير إعلامية بأنّ رئيس الحكومة اللبنانية "نواف سلام" صرح، خلال جلسة مجلس الوزراء المنعقدة يوم أمس، بأن المواقع التي استهدفتها الغارات الإسرائيلية في بيروت كانت تضم مخازن أسلحة أو مسؤولين تابعين لـ"حزب الله. وهو ينسجم مع ما صرح به رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو بأنّه وجّه أكبر ضربة لسلاح الحزب بعد عملية البيجر، فاستطاع التخلص من 220 عنصرًا من حزب الله.
يجدر الإشارة إلى أنَّ وزير الصحة "ركان نصرالدين" اعترض على كلام "نواف سلام" في الجلسة؛ وبيّن أنه لا يوجد دليل يثبت ذلك؛ مؤكدًا أنها مناطق مدنيّة. وما يعزز صحة منطق الوزير ما رصدتهُ إحصاءات وزارة الصحة اللبنانية التي أشارت إلى أن 95% من شهداء مجزرة 8 نيسان هم مدنيون، بينهم نحولي 48 طفلًا و62 امرأة و21 كبيرًا في السن، ومنهم 34 من حاملي الجنسية السورية، هذا بالإضافة إلى ذوي الاحتياجات الخاصة والشباب المعروفين في أحياءهم وبين أصدقاءهم أنّهم مدنيون، بالإضافة إلى استشهاد عناصر من الجيش اللبناني.
لم يكتف رئيس الحكومة "نواف سلام" بإثارة الجدل في الجلسة حيال تسويغ المجزرة الإسرائليية وغاراتها العشوائية واسعة النطاق بحق المدنيين، بل عاد ليؤكد أنّه لا مجال لحماية بيروت إلا بنزع سـلاح حزب الله في العاصمة. وأصرّ "سلام" على إصدار قرار يطلب من الجيش والقوى الأمنية تعزيز بسط سيطرة الدولة على محافظة بيروت وتفعيل قانون حصرية السلاح بيد الدولة والتشدّد في تطبيق القوانين واتخاذ التدابير بحق المطلوبين وإحالتهم إلى القضاء.
هذا؛ وقد نقلت وسائل الإعلام أنّ رئيس الوزراء العدو أعرب عن تقديره لدعوة رئيس الحكومة اللبنانية لإخلاء بيروت من السلاح، مشيرًا إلى أن المفاوضات القادمة ستركز على نزع سلاح حزب الله.
دعوة لوقفة احتجاجية اليوم الجمعة
مع المواقف التصعدية من الحكومة اللبنانية التي تنوي عقد مفاوضات مباشرة مع العدو الإسرائيلي ضاربةً بعرض الحائط انتصارات المقاومة في الميدان وعدم توظيف تلك الإنجازات لكسب امتيازات لمصلحة الوطن وتجاهل آلالام الناس وتضحياتهم، يبدو أنَّ هذه الوقفة الاحتجاجية بداية حراك مُجتمعي سيتسع وتتصاعد وتيرته في الأيام القادمة. وقد تتبلور أهداف هذه الوقفات، وتصبح أكثر تنظيمًا، وربما تحمل مؤشرات إسقاط الحكومة، فهناك دعوة شعبية جديدة للمشاركة في وقفة احتجاجية، اليوم (10 نيسان 2026) الساعة الرابعة عصرًا أمام السراي الحكومي، تحت شعار "يسقط المتآمرون على قتلنا" رفضًا واستنكارًا لمسار التطبيع والمفاوضات المباشرة وتشريع قتل أبناء الشعب اللبناني.