اوراق خاصة

حوار داخلي بين النازح وصوته الباطني : أي ثمن لهذا النزوح؟

post-img

نجوى الموسوي/ كاتبة وقاصة

وأنت تكافح الشوك، تطلب الخلاص، وتراه على الرغم مما يعلق على أصابعك من أثر الجراح.

حين تتخذ قرار "الانزياح" بأطفالك نحو مكان؛ لا نار فيه ولا صواريخ، وتجلس على رصيف حياة، تفكر كيف تستطيع إطعامهم شيئًا من زاد، وكيف تدخلهم مخبأ مستورًا للتصريف، وكيف يقفون وينامون في مكان يكفيهم  لتحريك أطرافهم، ولالتقاط نفس نظيف لا يسد الرئتين.

حين ترفع إبريق شاي فوق "تنكة" تتخذها موقدًا، وترفع بطانية تحجب فيها أسرتك عن عيون الخلق، تبتغي ما يقوّيك على قضاء يوم.

صحيح أنك تغضب ممّا يجري حولك، ولا يوافق إرادتك، صحيح أنك تفتقد ولا تجد، لكنك ترى حالك لا يشبه السجن إلا في أجزاء فقط من ضيقِ مكان واختناق مؤقت وقلة ضوء في الليل وانقطاع ماء وانعدام هواء.. وهو نزوح قسري تستحضر معه معاناة كل أسير.. وتنتبه إلى أنها أجزاء معدودة لمدة محدودة، فقط لا غير.

هل ذلك كله قد يتركك يومًا من دون سخط؟

نعم، يمكن أن تتركك الظروفُ المرفوضةُ هادئّا غير حزين؛ فكيف يجري ذلك؟

بكل بساطة، أنت ما .تزال تتقوّى على مأساة اسمها "لا إيواء"، وكلُّ تفاصيلها لم تربطك بحبالها؛ ولم تدفعك لكي تنافق مجرمًا فرارًا من بطشه، لم يسقطك قهر الافتقاد لضرورياتك في حفرة الهلع من قوة ظالم شقيّ ولم يرمك الغضب في بئر الاكتئاب.

أنت تعرف الآن أنك ما دمت رافضًا لظروف سيئة ولشماتة سيئة، فلن تكون مداهنًا لظالمِك الذي يهدف إلى دوام السوء والشماتة، بل سوف تبقى تحتفظ بالقدرة على منازلة الموت وصدّ الظلم، وسوف تبقى متصالحًا مع نفسك؛ لأنك لم تجلس في فقاعة الخوف، ولم تستسلم للوخز في معدتك.

حين تنتهي هذه المرحلة الحالية من العذاب، ستأتي مرحلة دائمة واسعة شاملة من الراحة، ولن تكون حزينًا لحال أسرتك ولا بائسًا من افتقادٍ ولا خائفًا من صعوبات ولا مداهنًا لمجرمٍ يهاجمك.. لأنك استطعت أن ترى؛ على الرغم من الرماد كله الذي رموه على عينيك.

نعم، في زمان قادم، أنت ترى غايةً أكبر سيصل إليها الكلّ معك، ستعوّض عذاباتك الصغرى والكبرى، ومن الغاية كرامةٌ دائمة وعزةٌ أعلى من صغيرات البلاء، وانتصارٌ على الذات والأنانية والمعتدي.

وأنت فوق ذلك كله، لأنك فوق ذلك كله، تشكر في صميمك من انتقم لك فضرَبَ ظالمك ورَدَعَه، ومن أخرجك من مذلةِ المداهنة وقيودِ الدنيا وجشعِ الفانيات إلى الرفض والصبر والكفاح.

أرأيت كيف يُعينك طلبُ الخلاص؛ فتتوضّح الرؤية وتتعاظم الإرادةُ لرفض الظلم؟

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد