صحيفة الديار
خلال الساعات الماضية، عاش اللبنانيون على وقع ترقّب حذر لمصير بلادهم، بعدما بدا للحظة أن التفاهم الأميركي ـ الإيراني الذي رعته باكستان قد يفتح نافذة تهدئة تشمل الجبهة اللبنانية. وقد تعزّز هذا الانطباع مع المنشور الذي نشره رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، والذي تحدّث بوضوح عن وقف إطلاق نار يسري "في كل مكان"، بما في ذلك لبنان، ما أوحى بأن الملف اللبناني كان جزءاً من التفاهم الذي جرى تداوله في الكواليس. لكن ما لبث هذا الانطباع أن انهار سريعاً تحت وقع الغارات الإسرائيلية العنيفة التي استهدفت بيروت والجنوب والبقاع، كاشفة أن لبنان أُخرج عملياً من أي مظلة تهدئة، وأن ما سُوّق على أنه تفاهم إقليمي لم يُترجم على الأرض في الساحة اللبنانية. وقد ترافقت هذه الضربات مع تصريحات إسرائيلية وأميركية متتالية قالت صراحة إن لبنان "غير مشمول" بالهدنة، فيما أكد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أن التفاهم مع إيران "لا يشمل لبنان"، وهو ما كرره لاحقاً الرئيس الأميركي دونالد ترامب والبيت الأبيض، في مشهد عكس بوضوح انتقال واشنطن من مناخ الإيحاء بشمول لبنان إلى موقف التنصّل العلني من ذلك.
وتفيد المعطيات المتداولة بأن منشور شهباز شريف صدر في مناخ سياسي أُعطي فيه الانطباع بأن التفاهم يشمل أكثر من ساحة، وأن البيت الأبيض كان على اطلاع على هذا السقف السياسي قبل نشره، ما يعني أن المسألة لم تكن التباساً لغوياً بقدر ما كانت محاولة أولية لتسويق هدنة أوسع، قبل أن تتراجع عنها واشنطن لاحقاً. ومن هنا، تبدو الصورة أكثر وضوحاً: لبنان كان مطروحاً في مناخ التفاهم، ثم جرى سحبه منه لاحقاً، لأن القرار السياسي الأميركي تراجع تحت وطأة الاعتراض الإسرائيلي، وخصوصاً إصرار تل أبيب على مواصلة الحرب المفتوحة ضد حزب الله وعدم ربط الجبهة اللبنانية بأي ترتيبات تخص إيران. وهذا ما يجعل ما جرى أقرب إلى تنصّل أميركي سياسي من تفاهم أولي، منه إلى مجرد "سوء فهم" في الإعلان أو الصياغة.
وما يعزّز هذا الاستنتاج أن الجانب الإيراني نفسه لم يُخفِ في الأيام الأخيرة تمسّكه بأن يشمل أي وقف لإطلاق النار الساحة اللبنانية أيضاً، باعتبار أن ما يجري في لبنان ليس تفصيلاً منفصلاً عن الاشتباك الإقليمي، بل جزء من المواجهة المفتوحة التي تدور في أكثر من جبهة. وقد نقلت تقارير أن وقف النار في لبنان كان من بين الشروط الأساسية التي دفعت طهران إلى التعامل بمرونة مع صيغة التهدئة، قبل أن يأتي الموقف الأميركي لاحقاً ليقول العكس تماماً، عبر اعتبار لبنان "ساحة منفصلة" و"ملفاً لا علاقة له بالاتفاق". بهذا المعنى، لم يكن الخلاف على تفسير الهدنة تقنياً، بل سياسياً بالكامل: إيران أرادت ربط الساحات، فيما عملت واشنطن على فصلها لاحقاً لإرضاء إسرائيل ومنحها حرية استكمال الضغط العسكري على لبنان.
وفي المحصلة، تكشف هذه التطورات أن لبنان لم يكن خارج المشهد منذ البداية، بل جرى إخراجه لاحقاً من التفاهم، وأن ما حدث يثبت مرة جديدة أن واشنطن، حين يتصل الأمر بلبنان، لا تتردد في تعديل قواعد اللعبة بما ينسجم مع الأولويات الإسرائيلية.