اوراق خاصة

هل ديماغوجية ترامب منهج سلوكي مقصود لتضليل الجماهير في الحرب على إيران؟

post-img

فادي الحاج حسن/كاتب لبناني

في الثامن والعشرين من فبراير /شباط 2026، استيقظ العالم على وقع هجوم أمريكي-إسرائيلي واسع النطاق استهدف الجمهورية الإسلامية في إيران. مثّل هذا الحدث تحولًا عسكريًاـ لكنّه كان تجسيدًا حيًا لنمط معقد من "الديماغوجية الترامبية" التي تمزج بين الاستراتيجيات الخطابية العنيفة والتلاعب النفسي بالجماهير. يتطلب فهم أبعاد هذه الحرب غوصًا عميقًا في علم الاجتماع السياسي وعلم النفس، لتحليل كيفية بناء العدو في العقل الجمعي وتفكيك بنية الخطاب السياسي النفسي، والذي يتبناه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظامه، مع الأخذ بالحسبان استراتيجيات حرب الوعي.

الإطار السوسيولوجي في صناعة الوعي الجمعي وتأطير العدو

يعتمد الخطاب الترامبي، في جوهره، على ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم بالوعي الجمعي أو الضمير الجمعي، حين تنبثق اللغة من طبيعة الحياة الاجتماعية لتعزيز معتقدات يقبلها الجمهور لاحقًا. في سياق الحرب الحالية، استخدم ترامب لغة حادة وصفت النظام الإيراني بأنه "إرهابي" و"دموي" و"مرعب"، بهدف تجريده من إنسانيته وجعل العنف ضده مقبولًا سيكولوجيًا بين قطاعات واسعة من الجمهور الغربي. هذا التوصيف لا يقتصر على إيران، أيضًا يمتد ليشمل أي طرف هو معارض للأجندة الأمريكية-الإسرائيلية، ما يسهل عملية شيطنته.

هذا التأطير الإعلامي، والذي رددته وسائل إعلام غربية كبرى، حوّل الهجوم العسكري إلى "مهمة تحرير" أو "ضربة استباقية". هو نمط تكرر في حروب سابقة مثل غزو العراق، في العام 2003. باستخدام صور نمطية متكررة، يجري بناء "الآخر" (إيران ولبنان) بصفته تهديدًا وجوديًا، ما يسهل تسويغ العمل العسكري فعلًا دفاعيًا ضروريًا. هذه العملية جزء لا يتجزأ من حرب الوعي. إذ  يُوجّه الرأي العام وتُصاغ التصورات في إطار يخدم الأهداف الاستراتيجية محولًا الصراع من واقع مادي إلى معركة على العقول.

التحليل النفسي في النرجسية السياسية و"خرطوم الأكاذيب"

تُظهر تصريحات ترامب نمطًا نرجسيًا واضحًا على مستوى الدولة، حيث تستخدم القوة للهيمنة وتعمّد تعميم عدم اليقين. تصف نظريات علم النفس السياسي سلوك الإدارة الأمريكية الحالية بـالعظمة والحاجة المستمرة إلى الإعجاب، وهو ما يفسر تحويل السياسة الخارجية إلى "عرض مسرحي" لجذب الانتباه العالمي. هذه النرجسية السياسية لا تكتفي بتجاهل الحقائق، هي تسعى أيضًا إلى إعادة تشكيلها بما يتناسب والرواية الذاتية للقائد.

أحد أبرز الأدوات النفسية في هذا الخطاب هو تقنية "خرطوم الأكاذيب” (Firehose of Falsehood) وهي استراتيجية تعتمد على بث كم هائل من الأكاذيب. يؤدي هذا إلى ترسيخ الرواية الرسمية بين المؤيدين على الرغم من زيفها. على سبيل المثال، ادعى ترامب أن "ساعة الحرية" قد حانت للشعب الإيراني؛ في حين كانت قواته تستهدف البنية التحتية والمنشآت النووية. هذه الاستراتيجية تهدف إلى إغراق الجمهور بالمعلومات المضللة حتى يصبح من الصعب تمييز الحقيقة عن الزيف، ما يخدم أهداف حرب الوعي في تشتيت الانتباه وتعميم الارتباك.

الأهداف المعلنة مقابل الأهداف الخفية في حرب الإدراك

تتمحور أهداف الولايات المتحدة المعلنة في هذه الحرب في "حماية الأبرياء" و"إنهاء التهديد النووي" و"تخليص الشعب الإيراني من نظام قاتل"... في المقابل، يربط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو العمليات العسكرية في لبنان، مثل عملية "زئير الأسد" بـــ"المواجهة الأوسع مع طهران"، مدعيًا أنها تهدف لتغيير الوضع الاستراتيجي في المنطقة جذريًا. 

هذه الأهداف المعلنة غالبًا ما تكون غطاءً لأجندات أعمق وأكثر تعقيدًا؛ مع ذلك، يكشف التحليل السياسي أهدافًا خفية أعمق تتسق ومبادئ حرب الوعي:

1.    تأكيد التفوق والمكانة: تسعى الديماغوجية الترامبية إلى إثبات الولايات المتحدة القوة العالمية المهيمنة التي لا يمكن كسر إرادتها، وأنها قادرة على حل الصراعات المزمنة بالقوة المطلقة. هذا يعزز صورة القوة التي تسعى الإدارة لترسيخها في الوعي العالمي.

2.    المكاسب الداخلية: استخدام الحرب أداةً لتعبئة القواعد الشعبية وتشتيت الانتباه عن القضايا الداخلية بخلق "الأزمة الدائمة" التي تتطلب قائدًا قويًا. هذا يخدم الأجندات السياسية الداخلية، ويعزز شرعية القائد في أوقات الأزمات.

3.    إعادة رسم الخريطة الاقتصادية: كما حدث في قضايا أخرى( قضية جرينلاند) وحروب التعريفات الجمركية، يُنظر إلى النزاعات العسكرية على أنها فرص لفرض الهيمنة الاقتصادية والسيطرة على الموارد. حرب الوعي هنا تهدف إلى تسويغ هذه التحركات الاقتصادية لتصبح ضرورة أمنية أو استراتيجية.

لبنان والأحداث الأخيرة.. في التوسع أداة للسيطرة وحرب الوعي 

امتدت الحرب على إيران لتشمل لبنان تحت ذريعة تدمير قدرات "حزب الله المدعوم من طهران". إذ أعلن رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو توسيع "المنطقة العازلة" في جنوب لبنان لتصل إلى نهر الليطاني، واصفًا ذلك بأنه جزء من "المواجهة الشاملة". هنا، تُمارس "الديماغوجية" بتصوير تدمير القرى اللبنانية وتهجير مليون شخص خطوةً ضرورية للأمن، لكن الهدف الحقيقي هو فرض نظام إقليمي جديد تملي فيه واشنطن وتل أبيب الشروط. هذا التوسع الجغرافي والعسكري يترافق مع حملة مكثفة لتسويغ هذه الأفعال وتصويرها بأنها إجراءات دفاعية ضرورية.

ممارسة الأكاذيب والسياسة الخارجية النرجسية في سياق حرب الوعي 

تعتمد الإدارة الأمريكية الحالية سياسة خارجية نرجسية لا تعترف بالقانون الدولي إلا عندما يخدم مصالحها. صرح ترامب بوضوح، في يناير/كانون الثاني 2026: “أنا لا أحتاج إلى القانون الدولي… أخلاقي وعقلي هما الشيء الوحيد الذي يمكنه إيقافي". هذا الانفصال عن الواقع الموضوعي هو جزء من استراتيجية التلاعب بالعقول (Gaslighting) حين تُهاجم الحقيقة باستمرار حتى يصبح القائد هو المصدر الوحيد الموثوق للمعلومات بالنسبة إلى أتباعه. في حرب الوعي يُستغلّ هذا التلاعب لتشكيل واقع بديل يقبله الجمهور، ما يضعف أي مقاومة أو تشكيك في الرواية الرسمية.

لقد أدت هذه السياسات إلى تآكل المؤسسات المتعددة الأطراف واستبدال المشهد المسرحي الأحادي بالدبلوماسية التقليدية. الحرب القائمة اليوم هي معركة على الرواية والحقيقة، وليست مجرد صراع عسكري، حيث تُستخدم الديماغوجية والأكاذيب أسلحةً لا تقل فتكًا عن الصواريخ. هذا يتطلب فهمًا عميقًا لكيفية عمل حرب الوعي؛ وكيف يمكن مواجهتها.

تحليل مواقف الرئيس دونالد ترامب نموذج الخداع الاستراتيجي

مواقف الرئيس دونالد ترامب تمثل نموذجًا حديثًا من الخداع الملّون. هذا النموذج يقدم أداة منهجية لتقويم مدى احتمال تزوير الحقائق للتضليل أو الخداع الاستراتيجي، يمتهن أداءً مخادعًا بوصفه نمطًا سلوكيًا وإدراكيًا يُستدل عليه من تشخيص المؤشرات؛ والتي بقدر ما هي أدلة قاطعة بحد ذاتها، هي أيضًا أدوات لبلورة الفرضيات وتوجيه التحليل.

تتحرك تصريحات ترامب في مسار خداع تصاعدي في ثلاث مراحل رئيسة:

1.    المرحلة الأولى: التخدير؛ في هذه المرحلة، تُجمد الأهداف حين تقدّم وعود للتوصل إلى اتفاقيات أو حلول دبلوماسية، ما يقلل من يقظة الخصم او العدو فيمنحه شعورًا زائفًا بالأمان. على سبيل المثال، يتحدث ترامب عن رغبته في التوصل إلى اتفاق مع إيران، إنما أهدافه الحقيقية هي كسب الوقت لإعادة التموضع الاستراتيجي أو شن هجمات مفاجئة.

2.    المرحلة الثانية: التشكيك، أي إيهام الخصم بوجود خيانات داخلية أو قنوات سرية؛ وذلك بهدف إرباك الخصم وإضعاف وحدته، حين يكثر من التصريحات المتناقضة أو الإشارات المبهمة لإثارة القلق والريبة داخل صفوف الخصم، ما يجعله غير قادر على اتخاذ قرارات موحدة وفعالة.

3.    المرحلة الثالثة: الإحباط، أي إعلان الانتصار العسكري الساحق إعلاميًا لإجبار الخصم على قبول شروط مهينة، وتصوّر هذه الانتصارات على أنها حتمية ونهائية، فتترك الخصم في يأس وإحباط، فيدفعه إلى الاستسلام أو القبول بشروط غير مواتية. هذا يتضمن أيضًا استخدام "خرطوم الأكاذيب" لتعزيز هذه الرواية وإغراق أي معلومات مضادة.

الهدف الاستراتيجي النهائي من هذا الخداع هو منع إيران من القيام بـضربة استباقية أو رد فعل انتقامي، خلال مرحلةإعادة التموضع العسكري الأمريكي. هذا التحليل يكشف عمق التخطيط وراء الخطاب الترامبي، وكيف يستخدمه سلوكًا مختلفًا في حرب الوعي لتحقيق أهداف جيوسياسية معقدة.

في الخلاصة

تمثل الحرب على الجمهورية الإسلامية في إيران ولبنان الذروة الخطيرة من الديماغوجية الترامبية في حرب الوعي. من منظور علم الاجتماع السياسي وعلم النفس، نحن أمام نظام يعيد إنتاج القوة عبر صناعة الجهل والتلاعب النفسي مستخدمًا استراتيجيات خداع متقدمة. هذا يتطلب وعيًا نقديًا يتجاوز تأطير وسائل الإعلام الغربية لفهم الجذور العميقة لهذه السياسات المدمرة للسلام العالمي، والقدرة على فك شفرة استراتيجيات حرب الوعي التي تهدف إلى تشكيل واقع مزيف.

المصادر والمراجع:

1.    معهد الجزيرة للإعلام، “هل تشكل خطابات نتنياهو وترامب تأطير الإعلام الغربي؟”، 2026.
2.    موسوعة ويكيبيديا، “بلاغة دونالد ترامب” (Rhetoric of Donald Trump)، تم التحديث في مارس 2026.
3.    معهد السياسات العامة العالمي (GPPi)، دراسة “عندما يتحول حليفك إلى نرجسي: دليل لأوروبا”، أكتوبر 2025.
4.    موقع “Al-Monitor”، “ترامب يتطلع لاتفاق مع إيران، ولا نهاية تلوح في الأفق لحرب إسرائيل في لبنان”، مارس 2026.
5.    تقرير معهد “V-Dem”، “تقرير الديمقراطية 2026: تفكك العصر الديمقراطي”، مارس 2026.
6.    التحليل السوسيولوجي لـ “إميل دوركايم” حول العقل الجمعي واللغة.
7.    مذكرات جيمس كومي، “علم نفس الكاذبين”، 2018.
8.    سلسلة تقارير حرب الإدراك، “تحليل مواقف الرئيس دونالد ترامب”، 26 مارس 2026.
 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد