معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي
لا يمكن قراءة ما يجري في مضيق هرمز بوصفه تصعيدًا عسكريًا عابرًا أو ردًا انفعاليًا على تعثر مفاوضات. نحن أمام لحظة إعادة تعريف قواعد الاشتباك في واحدة من أكثر نقاط العالم حساسية، حيث تختلط الجغرافيا بالسياسة، وتتحول خطوط الملاحة إلى خطوط نفوذ.
التصريحات التي أطلقها دونالد ترامب عن إغلاق المضيق لا يمكن التعامل معها على أنهات خطة عمليات جاهزة، إنما هي إعلان نية لتغيير طبيعة الصراع. الفكرة هنا ليست إغلاق الممر فعليًا؛ لأن ذلك سيصيب الاقتصاد العالمي بشلل فوري، بل فرض معادلة جديدة: من يمر، يمر وفقًا للشروط الأميركية لا وفقًا للتوازنات الدولية أو حتى الوقائع الجغرافية. هذه قفزة من منطق الردع إلى منطق السيطرة.
لكن هذه القفزة تصطدم بحقيقة لا يمكن تجاوزها. المضيق ليس مساحة عائمة يمكن ضبطها من بعد، هو ممر محاط بسواحل إيرانية، ما يمنح طهران قدرة دائمة على التأثير فيه، حتى في ظل التفوق العسكري الأميركي. هنا تحديدًا تكمن عقدة المشهد: واشنطن تملك القوة، لكن إيران تملك الموقع.
في المقابل، جاء رد الحرس الثوري الإيراني ليؤسس لمعادلة موازية، أكثر دقة وأقل ضجيجًا. المضيق مفتوح للسفن المدنية، مغلق أمام أي حضور عسكري معادٍ. هذه الصيغة ليست دفاعية كما تبدو، هي هجومية بذكاء. هي تسحب الشرعية من أي تحرك عسكري أميركي، وتضعه في موقع من يهدد الملاحة الدولية، لا من يحميها.
لكن هذه المعادلة بدورها ليست مستقرة. الحديث عن ضوابط خاصة وإدارة ذكية يعني أن حرية المرور ليست مطلقة، هي مشروطة بالإرادة الإيرانية؛ أي إن طهران تمارس سيادة فعلية من دون إعلان رسمي، وتحول المضيق إلى ورقة ضغط مستمرة، تستخدمها كلما اقتربت المفاوضات من حافة الانهيار.
ما جرى بعد فشل مفاوضات إسلام أباد يؤكد أن التصعيد ليس بديلًا عن التفاوض، بل هو امتداد له. الطرفان لم يفشلا في كل شيء، لقد اصطدما عند النقطة الأكثر حساسية، هو البرنامج النووي. هذا يعني أن كل ما نشهده الآن هو محاولة لإعادة تشكيل ميزان القوى قبل العودة إلى الطاولة، لا استعداد لحرب شاملة.
هنا يظهر التناقض في الخطاب الأميركي بوضوح. التهديد بتدمير بنية الطاقة الإيرانية التحتية، أو حتى "القضاء على إيران في يوم واحد" يعكس سقفًا دعائيًا مرتفعًا، لكنه يفتقر إلى قابلية التنفيذ من دون كلفة كارثية. إذ إن أي ضربة بهذا الحجم ستشعل المنطقة بالكامل، وستدفع إيران إلى استخدام أوراقها كلها، وفي مقدمتها المضيق نفسه.
في المقابل؛ لا تبدو إيران معنية بإغلاق المضيق فعليًا، مع قدرتها على تعطيله. ذلك؛ لأن ذلك سيحرمها من أهم ورقة تفاوضية لديها، وسيحولها من لاعب يهدد إلى لاعب ينفذ، وهو انتقال خطير في منطق الصراع. لذلك، تفضل طهران البقاء في منطقة رمادية؛ حيث التهديد قائم من دون تنفيذ، والضغط مستمر من دون انفجار.
اللافت أيضًا هو إدخال حلف شمال الأطلسي في المشهد، في محاولة واضحة لتدويل الأزمة. هذه الخطوة تعكس إدراكًا أميركيًا بأن المواجهة المنفردة، في هذا الملف، مكلفة سياسيًا واقتصاديًا. لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطرة، لأن كثيرًا من الدول الأوروبية لا ترى في التصعيد مصلحة مباشرة، بل تهديدًا لإمدادات الطاقة التي تعتمد عليها.
في العمق، نحن أمام صراع على تعريف السيادة، لا على السيطرة العسكرية فقط. هل يبقى المضيق ممرًّا دوليًا تحكمه قواعد الملاحة، أم يتحول إلى ورقة سيادية بيد إيران، أم إلى أداة ضبط أميركية تفرض شروطها بالقوة؟ هذا السؤال هو جوهر الأزمة، وكل ما عداه تفاصيل تتحرك حوله.
الخطأ الأكبر، في قراءة هذه اللحظة، هو التعامل مع التصريحات بوصفها نوايا تنفيذية مباشرة. الواقع يشير إلى شيء مختلف. كلا الطرفين يدرك أن إغلاق المضيق فعليًا سيؤدي إلى انفجار اقتصادي عالمي، وأن الحرب الشاملة ليست خيارًا مفضلًا لأي منهما. لذلك، ما نشهده هو تصعيد محسوب، هدفه تحسين شروط التفاوض، لا حسم الصراع.
لكن هذا لا يعني أن الأمور تحت السيطرة بالكامل. كلما ارتفع سقف التهديد، زادت احتمالات الخطأ في الحسابات. حادثة واحدة، طلقة غير محسوبة، أو تقدير خاطئ للنوايا، يمكن أن تدفع الجميع إلى ما لا يريدونه.

في الخلاصة
إن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر نفطي، لقد أصبح مرآة لتوازنات عالمية مضطربة. من يسيطر على تعريفه يملك القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي، وعلى رسم حدود القوة في الإقليم. وما يجري اليوم ليس سوى جولة جديدة في معركة طويلة، عنوانها الحقيقي ليس النفط ولا الملاحة، بل من يكتب قواعد النظام في لحظة تتآكل فيها القواعد القديمة.