اوراق خاصة

من "كامب ديفيد" إلى "إبراهام" .. كيف تحوّل السلام إلى أداة لإدارة الحرب؟

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

ما سُمّي "سلامًا" بين بعض الدول العربية و"إسرائيل" لم يكن يومًا خروجًا عن منطق الحرب، لقد كان إعادة صياغة داخل هندسة جديدة، تسمح لــ"إسرائيل" بإدارة الصراع بدل أن تكون طرفًا خاضعًا له. إذ إن الفكرة الأساسية لم تكن إنهاء المواجهة، لقد ما كانت تفكيك شروطها الجماعية وتحويلها إلى صراعات مجزأة يمكن التحكم بإيقاعها وحدودها.

منذ اتفاقية "كامب ديفيد"، لم يكن التحول مجرد اتفاق بين دولتين، إنما إعادة تعريف لوظيفة الدولة العربية داخل الإقليم. خرجت مصر من الحرب المباشرة، لكن الأهم أنها خرجت من فكرة الجبهة العربية. هذا التحول لم ينهِ الصراع مع إسرائيل، لقد نقل مركزه من مواجهة عسكرية شاملة إلى إدارة أمنية طويلة الأمد، تُبقي الاحتلال قائمًا وتُعيد توزيع كلفته.

في الأردن، استُكمل النموذج بشكل أكثر هدوءًا، حيث استقر منطق الحدود الآمنة، لكن من دون أي مساس بجوهر الصراع. إذ بقيت فلسطين تحت الاحتلال، وبقيت إسرائيل الطرف الأعلى قدرة على فرض الوقائع، فيما تحوّلت العلاقة إلى إدارة توازن لا إلى تسوية نزاع.

لكن التحول الأهم لم يكن هنا، بل في المرحلة التي سميت لاحقًا بــ"اتفاقات إبراهام"، حين بيعت فكرة مختلفة بالكامل، بأن الصراع انتهى فعليًا، وأن ما تبقى هو فرص تعاون اقتصادي وأمني والقضية الفلسطينية لم تعد مركز النظام الإقليمي، أصبحت ملفًا جانبيًا يمكن احتواؤه.

هذه السردية أعادت هندسة الواقع قبل أن تكون توصيفًا له. إذ نُقلت "إسرائيل" من موقع طرف في صراع إلى موقع الفاعل الطبيعي داخل الإقليم، فجمّدت القضية الفلسطينية سياسيًا، عوضًا عن حلها وأعيد تعريف الصراع من احتلال قائم إلى "ملف قابل للإدارة".

لكن ما تكشفه الحرب في غزة ولبنان اليوم، وما لحق بها من اشتباك مع إيران وحلفائها، هو أن هذا البناء لم يكن سوى واجهة لإدارة صراع لم يتوقف أصلًا، إنما جرى تفكيكه إلى جبهات مؤقتة ثم إعادة تشغيله كلما اقتضت الحاجة. هنا لا يظهر "السلام" نقيضًا للحرب، إنما هو آلية ضمن أدواتها، تُستخدم لتخفيف كلفة الاشتباك المباشر من دون المساس بجوهره.

في هذا السياق تحديدًا، لا يمكن فهم التطبيع على أنه علاقات بين دول فقط، أيضًا هو أداة أعمق لإعادة تشكيل البيئة المحيطة بـــ"إسرائيل". إذ لم يكن الهدف مجرد فتح سفارات أو توقيع اتفاقات، بقدر  ما كان بناء طبقات نفوذ داخل المجتمعات العربية نفسها، تؤثر في الاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا والأمن، ما يسمح بإعادة إنتاج صورة "إسرائيل" فاعلًا طبيعيًا وتقليص المسافة النفسية والسياسية معها.

في بعض الأحيان، أخذ هذا النفوذ شكل شراكات اقتصادية واستثمارات وتعاون تكنولوجي وأمني. وفي أحيان أخرى، أخذ شكل اختراق غير مباشر للمجال العام، عبر إعادة صياغة الخطاب الإعلامي والسياسي حول فكرة "العدو" و"التهديد"، ونقل مركز الثقل من الصراع مع الاحتلال إلى صراعات داخلية أو إقليمية أخرى أكثر قابلية للإدارة.

بهذا المعنى، لم يكن التطبيع مجرد اتفاقات فوق الطاولة، أضحى إعادة هندسة تدريجية لمحيط الصراع، حيث تصبح إسرائيل أقل كلفة سياسيًا، وأكثر حضورًا وظيفيًا، وأوسع قدرة على التأثير من دون مواجهة مباشرة.

لكن هذا البناء كله يصطدم اليوم بواقع الحرب الصلب. غزة أعادت تعريف طبيعة الصراع كونه مواجهة مفتوحة مع احتلال لم يتغير في جوهره. لبنان أعاد فتح جبهة الاستنزاف، وإيران وحلفاؤها أعادوا إدخال البعد الإقليمي العميق للصراع، ما يكسر فكرة "الاحتواء الجغرافي" التي بُني عليها منطق التطبيع.

الأهم أن ما يجري لا ينقض هذا المسار فقط، أيضًا يكشف منطقه الداخلي. فكلما توسع التطبيع لم يتراجع الصراع، بل تغيّر شكله وانتقل إلى مستويات أكثر تعقيدًا وانتشارًا. وكلما قدّم "السلام" على أنه استقرار يعيد الواقع إنتاج الاشتباك بصيغ مختلفة.

في الخلاصة

إن ما بدأ من "كامب ديفيد" ووصل إلى "إبراهام" لم يكن مسارًا نحو إنهاء الحرب، بل هو مسار لإدارتها بطريقة تمنح "إسرائيل" تفوقًا بنيويًا، وتعيد توزيع الجبهات بدل إغلاقها. ومع عودة الحرب إلى مركز الإقليم، اليوم، يتضح أن الصراع لم يكن غائبًا، إنما كان مُدارًا ومجزًا ومؤجلًا، إلى أن أعاد نفسه إلى السطح بشكله الأكثر صراحة ووضوحًا.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد