ريما فارس (صحيفة البناء)
في لبنان، يبدو أنّ الدماء ليست متساوية في قاموس السياسة الرسمية. فحين سقطت الصواريخ الإيرانية على الكويت والبحرين، خرجت بيانات الاستنكار سريعاً، واضحةً وحاسمةً، تتحدث عن حسن الجوار وأمن المنطقة ورفض الاعتداءات. أما حين يسقط اللبنانيون تحت القصف اليومي، وتُستهدف القرى الجنوبية، وتُهدم المنازل، ويُقتل المدنيون والمسعفون والصحافيون، فإنّ اللغة تصبح أكثر برودة، والمواقف أكثر خجلاً، وكأنّ الدم اللبناني يحتاج إلى إذن دولي كي يصبح جديراً بالغضب.
المفارقة ليست في استنكار الاعتداء على أيّ دولة عربية، فذلك حق طبيعي وواجب سياسي وأخلاقي، بل في أن يتحوّل هذا الحماس إلى صمت عندما يكون الضحية لبنان نفسه. هنا يبرز السؤال الذي يطرحه اللبناني البسيط: لماذا ترتفع النبرة عندما يتعلق الأمر بحدود الآخرين، وتنخفض عندما تُنتهك حدودنا؟ ولماذا تبدو السيادة مقدسة خارج لبنان، وقابلة للتأجيل داخله؟
لقد اعتاد اللبنانيون سماع خطابات السيادة والاستقلال والكرامة الوطنية. لكن هذه المفردات تفقد معناها عندما تصبح مجرد شعارات موسمية. فالسيادة ليست بياناً يُقرأ أمام الكاميرات، بل موقف يُقاس ساعة الخطر. والكرامة الوطنية لا تتجزأ بين عاصمة وأخرى، ولا بين دم وآخر.
اليوم، يشعر كثير من اللبنانيين أنّ دولتهم تتعامل مع مأساتهم وكأنها خبر عابر. الجنوب يُقصف، والحدود تُنتهك، والناس تعيش تحت التهديد الدائم، فيما ينشغل المسؤولون بإرسال رسائل الطمأنة للخارج أكثر من اهتمامهم بإرسال رسائل القوة دفاعاً عن الداخل.
ولعلّ أكثر ما يثير السخرية أنّ المسؤول اللبناني يبدو أحياناً بطلاً في البيانات، لكنه يتحوّل إلى موظف صامت عندما يتعلق الأمر بحقوق شعبه. يوزع المواقف في كلّ الاتجاهات، إلا الاتجاه الذي ينتظره اللبنانيون منه. وكأنّ وظيفة الدولة أصبحت إدارة ردود الفعل الخارجية لا الدفاع عن مواطنيها.
يبقى السؤال الذي يردّده أهل الجنوب وكلّ من يشعر بأنّ لبنان يستحق دولة تدافع عنه: هل أصبح الدم اللبناني أرخص من أن يستحق موقفاً بحجم الألم؟ أم أنّ بعض المسؤولين لا يتذكرون الوطن إلا عندما يكون الحديث عن أوطان الآخرين؟
بين الاستنكار السريع هناك، والصمت الطويل هنا، تضيع الحقيقة المؤلمة: لبنان لا يحتاج إلى مزيد من البيانات، بل إلى رجال دولة يعتبرون أنّ أول واجباتهم الدفاع عن كرامة اللبناني قبل أيّ حسابات أخرى…