معتز منصور/ باحث سياسي
منذ توقيع اتفاقية "كامب ديفيد"، في العام 1978، ثم "وادي عربة" وصولاً إلى "اتفاقيات إبراهام"، جرى بناء سردية سياسية متماسكة ظاهريًا، تقول إن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الصراع بل إلى مزيد من السلام، والطريق إلى الاستقرار يمر بالاعتراف بـــ"إسرائيل" وفتح القنوات معها وتحويلها من كيان معزول إلى شريك طبيعي في النظام الإقليمي. قيل إن الحروب القديمة انتهت ومنطق المقاومة تجاوزه الزمن والاقتصاد قادر على حل ما عجزت عنه البنادق.
هذه السردية كانت مشروعًا كاملًا لإعادة تشكيل الوعي العربي؛ قبل أن تكون خطابًا سياسيًا. قدّم السلام على أنه حقيقة نهائية وليس خيارًا سياسيًا قابلًا للنقد، ومن عارضه صُوّر أسيرًا للماضي أو خصمًا للتنمية أو عدوًا للاستقرار. تحولت "إسرائيل"، في بعض الخطابات الرسمية والإعلامية، من قوة احتلال إلى فرصة استثمار، ومن مصدر تهديد إلى بوابة تكنولوجيا، ومن خصم تاريخي إلى شريك يمكن الاعتماد عليه في مواجهة أخطار جديدة؛ جرى تصنيعها أو تضخيمها.
لكن ما الذي تقوله الوقائع، اليوم، في ظل الحرب الجارية في غزة ولبنان والاشتباك المفتوح مع إيران ومحور حلفائها على امتداد الجبهات، والتوتر المتصاعد الذي يلف الإقليم بأسره واتساع ساحة النار من البحر الأحمر إلى العراق وسوريا؟
تقول الوقائع إن النظرية كلها تتهاوى أمام الواقع.
لعل المفارقة أن أوضح من يكشف ذلك هو الخطاب الإسرائيلي نفسه. بنيامين نتنياهو يتحدث عن "مسار لتحقيق سلام تاريخي بين إسرائيل ولبنان"، ويعلن في اللحظة ذاتها الحفاظ على "حرية العمل الكاملة" للهجوم ضد كل تهديد، ويتعهد بـ"تغيير الشرق الأوسط"، ويؤكد التنسيق الكامل مع الإدارة الأمريكية بشأن إيران ولبنان. هذا التلازم بين مفردات السلام ومفردات القصف والهيمنة ليس تناقضًا عابرًا، هو تعريف عملي لطبيعة السلام الذي تريده "إسرائيل" وسلام يفرض تحت النار، ويُدار من موقع التفوق العسكري، ويُستخدم غطاء لاستكمال مشروع القوة.
لو كان التطبيع ينتج سلامًا فعليًا، لكانت المنطقة اليوم أكثر هدوءًا من أي وقت مضى. "إسرائيل" باتت ترتبط بعلاقات معلنة أو شبه معلنة مع عدد من الدول العربية، والتنسيق الأمني قائم والقنوات الاقتصادية مفتوحة والخطاب الرسمي في أكثر من عاصمة يتحدث عن شراكات ومصالح مشتركة. مع ذلك، تعيش المنطقة واحدة من أكثر لحظاتها انفجارًا منذ عقود. وهذا دليل على خطأ الفرضية من أصلها.
المشكلة أن ما سُمّي سلامًا بُني على تجاهل جوهر الصراع. لم يكن النزاع يومًا بسبب نقص السفارات أو غياب الرحلات الجوية أو ضعف التبادل التجاري.. النزاع نشأ؛ لأن هناك شعبًا اقتُلعت أرضه، واحتلالاً تمدد بالقوة، ونظامًا قائمًا على التفوق العسكري ورفض الحقوق الوطنية الفلسطينية. حين يُترك هذا الأساس كما هو، ثم يُطلب من المنطقة التعامل مع نتائجه على أنها أمر طبيعي، فإن كل ما يُبنى فوقه يكون هشًا، مهما بدا أنيقًا في الصور والقمم والبيانات.
"إسرائيل" فهمت هذا المسار ببراغماتية عالية. لم تنظر إلى التطبيع بوصفه تسوية أخلاقية أو نهاية للصراع، بل بوصفه انتقالاً إلى مرحلة أفضل من إدارة الصراع؛ أي تحييد الجوار العربي وتخفيف الضغط السياسي وفتح الأسواق وتوسيع المجال الاستخباري وتكريسها دولةً طبيعية من دون أن تدفع الثمن الحقيقي، وهو إنهاء الاحتلال والاعتراف الفعلي بالحقوق الفلسطينية. بكلمات أوضح، أرادت فوائد السلام من دون التزاماته.
لهذا، بينما كانت بعض العواصم العربية تحتفل بعصر جديد، كانت "إسرائيل" تسرع في اتجاه معاكس تمامًا. الاستيطان في الضفة توسع، القدس تعرضت لمزيد من التهويد، غزة بقيت تحت الحصار، الاعتداءات على لبنان لم تتوقف، والتهديدات لإيران وسوريا تصاعدت.. أي إن "إسرائيل" استخدمت مناخ "السلام العربي" لتوسيع هامش حروبها.
تصريحات نتنياهو الأخيرة تقدم دليلاً مباشرًا على ذلك. هو لا يتحدث عن تسوية مع لبنان تقوم على سيادة متبادلة ووقف اعتداءات، بل عن إعادة أمن مستوطنات الشمال بالقوة، مع استمرار حرية الضرب وربط الملف اللبناني بالضغط على إيران؛ أي إن السلام هنا ليس علاقة ندية بين دولتين، هو إعادة هندسة للبيئة المحيطة بـــ"إسرائيل" ما يضمن أمنها وحدها. هذا هو جوهر المسار كله، منذ "كامب ديفيد" حتى اليوم، تحويل السلام إلى أداة أمنية إسرائيلية لا إلى عدالة إقليمية.
الحرب الحالية كشفت هذا الخداع بأوضح صورة. في غزة، لم تمنع الاتفاقيات المعلنة حرب الإبادة والتجويع والتدمير المنهجي. لم نشهد "إسرائيل" أكثر اعتدالاً؛ لأنها باتت مقبولة عربيًا، بل شهدناها أكثر عنفًا لشعورها أن الكلفة الإقليمية تراجعت. في لبنان، لم تؤد شبكات العلاقات الجديدة إلى ضبط الجبهة الشمالية، لقد استمرت المواجهة؛ لأن أصل الصراع، أي الاحتلال والعدوان، بقي قائمًا. في المواجهة مع إيران ومحور المقاومة، لم يظهر شرق أوسط مستقر، لقد ظهر إقليم منقسم على خطوط اشتباك حادة.
الأعمق من ذلك كله أن السلام الموعود لم يفشل أمنيًا وحسب، أيضًا فشل استراتيجيًا. الدول العربية التي دخلت هذا المسار لم تحصل على قدرة حقيقية للتأثير في القرار الإسرائيلي. لم تمنع حربًا، ولم توقف استيطانًا، ولم تفرض تسوية، ولم تنتزع تنازلاً جوهريًا. في المقابل، حصلت "إسرائيل" على ما هو أثمن، تحييد قسم من محيطها وتخفيف عزلتها وفتح منافذ اقتصادية وأمنية جديدة وتفكيك جزء من الإجماع العربي التاريخي حول فلسطين.
هذا اختلال لا يجوز تجميله؛ لأن بعض ما سُمي سلامًا لم يكن توازنا بين طرفين، هو إعادة توزيع للمكاسب؛ حيث يأخذ الطرف الأقوى ما يريد، ويُطلب من الأضعف أن يصف خسارته بالحكمة والواقعية.
بعد ذلك؛ جاءت الحرب لتكشف بعدًا آخر بالغ الأهمية، وهو أن الشعوب العربية لم تدخل فعليًا في هذا السلام. الحكومات قد توقّع، والمؤسسات قد تنسق، والإعلام قد يلمّع، لكن المزاج الشعبي بقي في مكان آخر. السبب ليس عاطفة مجردة، بل هو إدراك عميق بأن إسرائيل لم تغيّر طبيعتها. الناس لا يحكمون على النوايا؛ إنما على ما يرونه من حقائق: صور غزة المدمرة وأطفالها تحت الركام، وقرى الجنوب اللبناني تحت النار، وتهديد الإقليم كله بالقوة. هذه الوقائع أعادت تعريف المشهد أسرع من آلاف الحملات الدعائية.
لهذا، عاد خطاب المقاومة بقوة، على الرغم من محاولات عزله كلها.. لأن المقاومة، في وعي قطاعات واسعة من الشعوب، لم تعد مجرد خيار أيديولوجي، أضحت رد فعل على انسداد المسارات الأخرى كلها. حين يتحول السلام إلى غطاء للهيمنة، يصبح الرفض استجابة طبيعية، وحين يُستخدم التطبيع لتهميش فلسطين، تعود فلسطين لتفرض نفسها من قلب الميدان.
من "كامب ديفيد" إلى "إبراهام"، تغيرت الأسماء والأدوات والوجوه، لكن المنطق بقي واحًدا، بيع العرب وعدًا بأن تجاوز فلسطين هو طريق الاستقرار. وكل مرة يعود الواقع ليقول العكس، إن تجاوز القضية لا يلغيها، بل يؤجل انفجارها ويجعله أوسع.
ما يجري اليوم، في غزة ولبنان وعلى امتداد محور المواجهة، ليس حادثًا منفصلاً عن مسار "السلام العربي- الإسرائيلي"، هو نتيجة مباشرة له حين بُني على القوة لا العدالة، وعلى الإقصاء لا الحل، وعلى مصالح الأنظمة لا حقوق الشعوب.

الخلاصة
إن السلام الذي لا يوقف الاحتلال ليس سلامًا، والسلام الذي لا يردع العدوان ليس سلامًا، والسلام الذي يمنح "إسرائيل" أمنًا أكبر، في حين يترك الفلسطيني تحت القصف ليس سلامًا، هو إدارة رسمية لاختلال تاريخي في ميزان القوة. لذلك يفشل كلما توسعت الحرب؛ لأن الحرب هنا ليست نقيضه، هي الحقيقة الكامنة داخله.
ما لم تُكسر هذه المعادلة، سيبقى كل اتفاق جديد مجرد نسخة أخرى من الوهم، تُوقّع في القاعات، ثم تُدفن تحت أنقاض غزة، أو على حدود لبنان، أو في أول مواجهة تعيد تذكير الجميع بأن الحقوق المؤجلة لا تموت، بل تعود بأشكال أشد قسوة.