علي محمد صالحي/جريدة الأخبار
لدى العديد من الإيرانيين، يُنظر إلى مؤسستي الدين والدولة عبر تاريخ إيران الممتدّ لآلاف السنين وكأنهما خطان متوازيان، نادرًا ما التقيا. وبناءً على هذه الرؤية، فإن مؤسسة الدولة التي تدور حول السلطة، ومؤسسة الدين التي تدور حول الآخرة، سلكت كلٌّ منهما دربها الدنيوي والأخروي، ولم تقتربا أو تتّحدا إلا في حالات نادرة ومحدودة جدًا. واستنادًا إلى هذه النظرة نفسها، فإن من المواضع القليلة التي اتحد فيها التياران وعرضا القوة الحقيقية للربط بين الإيرانية والإسلامية هو ميدان الثورة الإسلامية وتجربة الجمهورية الإسلامية.
من المثير للاهتمام أن ذروة هذا الاتحاد تجلّت في مواجهة النظام البعثي العراقي وما لا يقل عن أربعين دولة أخرى داعمة له طوال ثماني سنوات من الحرب المفروضة على إيران. وفي هذا السياق، أظهرت الحربان الأخيرتان للأميركيين والإسرائيليين ضد إيران من جديد أهمية هذه الوحدة وفعاليتها على أعلى مستوى.
في هذا الصدد، يؤكد أولئك الملمّون بالتاريخ المعاصر لإيران، خصوصًا، كيف أن الشعب الإيراني في فترات معينة من تاريخه كان يتولى معًا صنع ملحمة وحركة، وكيف نجح في ترجمة كلمته وحقّه ورؤيته على أرض الواقع، رغم مواجهته لأكثر الحكومات استبدادًا وأقوى المستعمرين.
قبل 121 عامًا، حين قرّر رجال الدين والمفكرون الإيرانيون وضع حد للاستبداد المطلق للقاجاريين، وتقييد السلطة الحاكمة وجعلها قانونية، تعبّأ الشعب دعمًا لهذه الرؤية، وأطلق الثورة الدستورية في إيران ضد حكومة القاجار. أمّا التجربة التالية للإيرانيين فتمثلت في محاولتهم لتأميم صناعة النفط في إيران وتحريرها من قبضة بريطانيا قبل 73 عامًا، وقد تكلّلت بالنجاح. وعلى هذا الطريق، وفي المحطة التالية، أثناء الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وضع الشعب الإيراني، إلى جانب الإمام الخميني، جميع خلافاته السياسية والعقائدية جانبًا، وفكّر فقط في القضاء على حكم البهلوية والهيمنة الغربية، وخاصة الأميركية، في إيران، فكان ما كان.
لعل تجربة الهجوم المشترك لأميركا وإسرائيل على إيران لم تكن لتحدث أبدًا لو لم يكن عمر النظام الإسرائيلي البالغ 78 سنة محدودًا إلى الحد الذي يمنعه من مراجعة جزء من تاريخ إيران العريق، ولو لم تكن روح ترامب متهوّرة ومغترّة بنفسها إلى درجة لم تسمح له بالاستماع على الأقل إلى تجارب أسلافه أو توصيات العديد من مراكز الأبحاث الإيرانية داخل أميركا.
دخل ترامب ونتنياهو الحرب على إيران وفي ذهنهما أولًا وقبل كل شيء تغيير نظام الحكم فيها. فقد توقّع الاثنان أن يدخل الشعب الإيراني، كأمّة ضجرت من الوضع المعيشي، المعركة طرفًا ثالثًا إلى جانب أميركا وإسرائيل، وأن يعمل كوقود لثورة جديدة لصالح أميركا وإسرائيل ليقضي على النظام الإسلامي. وأمّا سبب تكرار التجربة الفاشلة بعد الحرب الفاشلة التي استمرت 12 يومًا في العام الماضي، فبلا شك كان قائمًا على هذا المنطق القائل إن بقاء النظام السياسي في إيران مرتبط بأشخاص، وعلى رأسهم قائد النظام، وإنه بإزالة القيادة وأيضًا القادة والمسؤولين الكبار ستُوجه الطلقة القاضية للجمهورية الإسلامية.
لكن، في المقابل، فإن الحضور المتضامن للشعب دعمًا للنظام، والاستعادة السريعة للوضع، والسيطرة الفعّالة على الأمور من قبل المسؤولين الإيرانيين، لم تسيّر الأمور وفق حساباتهم فحسب، بل جعلت طريق الخروج من الأزمة، خاصة بالنسبة إلى ترامب، أكثر صعوبة فأكثر.
في غضون ذلك، يبدو أن نتنياهو اعتبر نفسه منتصرًا في ميدان استطاع فيه أخيرًا، بعد 47 عامًا، أن يجرّ أميركا إلى ساحة لم يجرؤ على دخولها بمفرده من قبل، ورأى من ناحية أخرى فائدة متمثلة في إيران ضعيفة وبالتالي محور مقاومة منهار أمامه. وهي أمور لم تكن متناسبة مع واقع الميدان إلا قليلًا. والنتيجة هي أنه رغم كل هذه النشوات والشعور بالانتصارات، فإن حتى بعض بوادر الاهتمام المحتمل والأمل المتفائل بأميركا في إيران قد جفّ مرة واحدة وإلى الأبد، وارتفع جدار عدم الثقة الذي كان يُعتقد سابقًا أنه أُقيم فقط بين النظامين السياسيين للبلدين، ولكنه هذه المرة أقيم بمواد أقوى وأصلب من ذي قبل، وهذه المرة بين الإيرانيين وأميركا.
التطورات التي تجاوزت الخمسين يومًا الماضية، من حرب وهدنة، أوضحت مرةً واحدة وإلى الأبد عدة نقاط أساسية:
الأولى: أن آلة التهديد، بل والعمل العسكري لأقوى دولة في العالم، ليسا بالضرورة قادريْن دائمًا على النجاح والفعالية. إن صخرة إيران كانت صخرة صلبة أمام كل من ترامب ونتنياهو، فالاصطدام بها لا يؤدي إلا إلى تحطيم الرأس. لقد حذّر الإيرانيون العدو من أن لا يجرّب هذه الصخرة، لكن ترامب، متجاهلًا هذه التحذيرات، ألقى بنفسه أولًا في أحضان نتنياهو، ومن ثم جرّ بلاده إلى الويلات. والإيرانيون لديهم مثل مشهور: «العقدة التي يمكن حلها باليد، لا تحلّ بالأسنان».
هذا يعني أن الحل للخروج من أي مشكلة مع الإيرانيين هو فقط الحل السلمي، وهم لا يصغون إلى التهديدات. كما أنهم معروفون بأنهم، بدلًا من الأقوال وتكرار الكلام، رجال فعل وميدان.
الثانية: أنه خلال أيام الحرب، اتضح لكل دول المنطقة أن الأمن الإقليمي يجب أن يكون «أمنًا ذاتيًا» وليس مستوردًا من الخارج. فخلال الحرب، بينما كانت أميركا والأميركيون يعيشون بكل راحة على بعد آلاف الكيلومترات عن إيران، كانت قواعدهم العسكرية في المنطقة هي سبب بلاء وقلق شعوب المنطقة.
لطالما شدّدت إيران على الود وحسن الجوار والعلاقات السلمية مع دول المنطقة، لكن هذه المرة كانت التصريحات والأنظار والهجمات كلها موجّهة ضد المصالح والقواعد التي كانت إيران قد دعت سابقًا إلى إخلائها من الوجود الأميركي.
الثالثة: ما يتعلق بجرأة إيران في مواجهة أميركا وإسرائيل في آن واحد؛ وهي مسألة جعلت من صراع إيران مع هذين الطرفين معركة تاريخية ونموذجية في أذهان البشرية، وفي الوقت نفسه تحوّلت إلى تجربة قابلة للتكرار من قبل الشعوب المستقلة والمناضلة من أجل الحرية في المنطقة والعالم.
الكلمة الأخيرة: الانتباه إلى أحدث ورقة قوة كشفت عنها إيران، وهي إغلاق مضيق هرمز، المضيق الذي يمكن أن يشترك في المصير مع مضيق باب المندب. وحينها لن يكون عدد محدود من دول العالم هو المتضرر، بل سيتحد كل العالم ضد ترامب وإشعاله للفتن.