اوراق مختارة

الجنوبيون يحملون معهم مستندات عقاراتهم: ماذا لو فقدت أو أحرقت الوثائق في الحرب؟

post-img

سلوى بعلبكي (اصحيفة لنهار)

وقفت "أمّ عامر" أمام منزلها المدمر في قريتها الجنوبية، تمسك بيدها ملفا قديما نجا من تحت الركام. لم يكن في الملف سوى أوراق صفراء تثبت ملكية الأرض التي عاشت عليها عائلتها لأجيال. قالت بحسرة: "البيت الله بيقدّرنا نعمرو… بس إذا راحت هالأوراق، من وين بدي أثبت إنو هيدا بيتي؟"

"أمّ عامر" استطاعت أن تنقذ أوراقا تثبت ملكيتها، ولكن ثمة قرى تقصدت إسرائيل أن تمحوها عن "بكرة أبيها"، فكيف سيتم التعامل مع إثبات الملكية في ظل إمكان فقدان الوثائق والملفات في الداوئر العقارية في المناطق الحدودية؟ 

فقدان السجلات والوثائق العقارية أو تلفها يشكل تهديدا أخطر، لأنه يمس أساس الملكية نفسه. لذلك، تبرز أهمية المحافظة على هذه السجلات وحمايتها من الضياع، والعمل على نقلها إلى أماكن آمنة كلما أمكن، باعتبارها المرجع الأساسي لإثبات الحقوق في مرحلة ما بعد الحرب، خصوصاً في ظل دمار واسع قد يطمس المعالم ويعقد التحقق من الملكيات.

يقرّ وزير المال ياسين جابر بأن "الوزارة تعتمد، إلى حد بعيد، على ما ينقله المواطنون من معلومات عن وضع مباني الدوائر العقارية، في ظل تعذر الوصول إلى بعض المناطق، ولا سيما بنت جبيل وعين إبل. فالمحاولات المتكررة للتنسيق مع الجهات الأمنية لم تثمر، رغم حصول أكثر من محاولة للوصول أو استئناف العمل، حتى إن إحدى الفرق وصلت إلى مداخل المنطقة قبل أن يطلب منها التراجع لأسباب أمنية".

وعلى رغم أن الأضرار المادية حتى الآن، تبدو محدودة ومحصورة في تحطم الزجاج، يشير جابر إلى أن "الوضع في بنت جبيل صعب"، نظراً إلى وجود سجلات عقارية وسجلات نفوس فيها، ما يضاعف خطورة أي استهداف محتمل. في المقابل، يلفت إلى أن النبطية ومرجعيون لا تزالان ضمن السيطرة، ولم تسجل فيهما أضرار تذكر، مع استمرار الحد الأدنى من العمل ووجود بعض الموظفين، ما يسمح باستمرارية جزئية في تقديم الخدمات.

تمويل من الاتحاد الأوروبي لتطوير الـ IT

الخطر لا يرتبط فقط بإمكان القصف أو التدمير، بل بطبيعة النظام العقاري نفسه. فبحسب ما يقول جابر لـ"النهار" إن "الإدارة تمتلك قاعدة بيانات مؤتمتة تشمل جميع العقارات الممسوحة والمرقمة، ما يتيح الاستعلام عن الملكيات عبر الأسماء أو أرقام العقارات، واستخراج الإفادات العقارية إلكترونياً". بيد أن هذه القاعدة تفتقر إلى عنصر أساسي، إذ "لا تحتفظ الدولة بصور عن المستندات التي تم التسجيل على أساسها"، أي أن الأساس القانوني للملكية لا يزال محفوظاً حصرياً في السجلات الورقية.

والخلل يتفاقم عند التمييز بين العقارات القديمة والجديدة. فالعقارات المسجلة حديثا تتضمن تفاصيل إضافية كاسم الأم وطريقة التملك، بينما تفتقر السجلات القديمة إلى هذه المعطيات، لأنها لم تدرج بالكامل في النظام الإلكتروني، بما يترك فجوة معلوماتية قد تصبح خطرة في حال فقدان الأصول الورقية".

هذه الإشكالية ترتبط مباشرة بواقع البنية التحتية الرقمية. ويوضح جابر أنه عند تسلمه الوزارة، تبين له أن "نظام المعلومات (IT) قديم وغير محدث، وقد جرى تأمين تمويل من الاتحاد الأوروبي لتطويره، كما أطلقت مناقصة بإشراف البنك الدولي، إلا أن ارتفاع الأسعار أدى إلى تجميد التلزيم". ويشير إلى أن "الوزارة أنجزت تحديثات في مجالات أخرى كالجمارك، فيما لا يزال مشروع تحديث الدوائر العقارية في انتظار إعادة إطلاقه، على أمل أن ينجز خلال فترة قصيرة نسبياً إذا توافرت الظروف".

لماذا لا تنقل السجلات من المنطاق الخطرة؟

طُرحت خيارات نقل السجلات من المناطق الخطرة، كأمانة النبطية، لكن ثمة صعوبة في تنفيذها. فالسجلات ليست مجرد أوراق، بل دفاتر ضخمة تستخدم يوميا، ولا يمكن استئناف العمل من دونها. وتاليا، فإن نقلها يعني عملياً تعطيل الخدمة أو الحاجة إلى أماكن بديلة غير متوافرة حالياً.

وفي ما يتعلق بالأرشفة، ثمة حد أدنى من النسخ الإلكترونية المخزنة على خوادم، لكنها غير كافية لتأمين حماية شاملة، في غياب نظام متكامل للنسخ الاحتياطي والتخزين الآمن. لذلك، تبقى النسخ الورقية، رغم هشاشتها، الركيزة الأساسية التي يقوم عليها النظام العقاري.

أما السيناريو الأسوأ فيبقى حاضراً. فإذا تعرضت الملفات للتلف "سيطلب من كل مالك إثبات ملكيته"، ما يعني العودة إلى الوثائق الفردية وخرائط الجيش لإعادة تكوين السجل العقاري. وهي عملية طويلة ومعقدة، قد تستغرق سنوات وتفتح الباب أمام نزاعات قانونية واسعة، خصوصا في المناطق التي لا تزال حدود عقاراتها موضع نزاع أو غير ممسوحة بالكامل.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد