اوراق مختارة

هل أصبحت تركيا عدوًّا لـــ"إسرائيل"؟

post-img

عمر كوش/جريدة العربي الجديد

تتعدّد إرهاصات الحرب الأميركية – الإسرائيلية وتداعياتها على منطقة الشرق الأوسط، وتمتدّ لتطاول إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطفة، والعلاقات بين دول الإقليم، وكذلك التحالفات والاصطفافات، بما يعيد تشكيل منظومة التنافس الإقليمي. وألقت هذه الحرب بظلالها على العلاقات التركية الإسرائيلية، وتجسّد هذا في تحوّلات لا يفسّرها التنافس الإقليمي بين الطرفين، بالنظر إلى أنّ إسرائيل تحاول تسويق تصوّر يضع تركيا في مصاف عدوها الجديد الذي يُعاد تعريفه وتصنيفه، وتحديد درجة تهديده، وما يمثّله من أخطار، وذلك بعد أن استند الخطاب السياسي لحكومة اليمين المتطرّف الإسرائيلي إلى سرديات تزعم القضاء على الخطر الوجودي الذي كانت تمثّله إيران بالنسبة إلى الكيان الإسرائيلي، وتحاول تسويق مقولة أنّ تركيا تمثّل "التهديد التالي لإسرائيل".

تعمّدت حكومة اليمين المتطرّف الإسرائيلية تغيير تصنيفها لدرجة تهديد إيران لها، وبما يستدعي إعادة تعريف عدوّ بديل، إذ ذهب بنيامين نتنياهو إلى القول إنّ إيران لم تعد كما كانت، وأذرعها "لم تعد قادرةً على تشكيل تهديد لوجودنا. وعلى الرغم من أنّ إيران ما زالت تتمتّع بقدرة على إطلاق الصواريخ في اتّجاهنا، لكنّ هذه التهديدات ليست وجودية"، ما يعني أنّ إيران نُقِلت من موقع التهديد الوجودي إلى تهديد قابل للاحتواء يمكن التعامل معه ضمن معادلات الردع الإسرائيلية. ووفق التصوّر الإسرائيلي انتقلت تركيا من الشريك الضروري (اقتصاديًا على الأقلّ) إلى موقع العدو الجديد، وما يترتّب على هذا التصنيف من أنّها باتت الهدف الإسرائيلي التالي في المنطقة.

انعكس هذا التحوّل في التصريحات التركية أخيرًا، ولا سيّما على لسان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي عبّر عن قلق بلاده من توجّهات رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو الساعية إلى تصوير تركيا عدوًّا جديدًا بعد إيران، وهو ما يضع القادة الأتراك أمام تحدّيات مركّبة تتّصل بموقع بلادهم الإقليمي ودورها في إعادة تشكيل التحالفات وسعيها إلى إدارة التوازنات. باتت تركيا تنظر إلى إسرائيل باعتبارها عاملًا مخرّبًا يُهدّد التوازنات التي عملت على بنائها في المنطقة خلال السنوات الماضية، سواء في سورية أو في ملفّات إقليمية أخرى، وهو ما يفسّر تصاعد نبرة التحذيرات التركية من السياسات الإسرائيلية في الآونة الماضية.

كانت بوادر تغيّر النظرة الإسرائيلية إلى تركيا قد ظهرت منذ سنوات، لكنّها اكتسبت معنى عدائيًا مع اتخاذ الساسة الأتراك مواقف ضدّ الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين في قطاع غزّة، ثم تحوّلت إلى شكل من أشكال المواجهة في سورية بعد سقوط نظام الأسد، ومع وقوف تركيا ضدّ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ومساعيها الداعمة للوساطة الباكستانية، وتنسيق مواقفها مع باكستان والسعودية ومصر. وسبق لزعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي، حليف الرئيس رجب طيّب أردوغان، أن ألمح إلى محاولات إسرائيل استهدافَ تركيا، عندما اعتبر التصعيد الإسرائيلي في المنطقة لا يستهدف إيران فقط، بل يشكّل تهديدًا للمشروع الإقليمي التركي، إذ رأى أنّ "العملية ضدّ إيران تُعدّ إلى حدّ ما رسالةً خبيثةً موجّهةً إلى تركيا، وأنّ هذا الهجوم هو ردّة فعل ضدّ أهداف القرن التركي وروح النهضة".

أخيرًا، شنّ نتنياهو وعدد من وزراء حكومته هجومًا لاذعًا على الرئيس أردوغان، على خلفية إعلان بلاده إعداد لائحة اتهام بحقّ 35 إسرائيليًا (بينهم نتنياهو) مشتبه باستهدافهم أسطول الصمود العالمي في أثناء توجّهه لكسر الحصار على قطاع غزّة. واتهم نتنياهو أردوغان بأنّه يدعم النظام في إيران ويذبح الأكراد. وفي المقابل، وصفت وزارة الخارجية التركية نتنياهو بأنّه "معروف من هو وسجلّه"، ووصفته بـ"هتلر العصر بسبب جرائمه"، وذكّرت بأنه يُحاكَم أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية.

غير أنّ التحول في التصنيف الإسرائيلي لا يفضي بالضرورة إلى انتفاء العداء لإيران، كما لا يعني أنّ العدو التركي أشدّ عدائيةً لإسرائيل، لأنّ غايته تحويل التركيز على الهدف التالي، بوصفه خصمًا استراتيجيًا، والطرف الأكثر قدرةً على الوقوف في وجه التوسّعية الإسرائيلية، والأشدّ انتقادًا لسياساتها العدوانية في المنطقة.

ليس بالضرورة أن يفضي التحوّل الإسرائيلي في النظر إلى تركيا إلى انخراط إسرائيل في صدام عسكري مباشر معها، خاصّةً أنّ تركيا تتمتّع بعضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهي دولة تملك قدرات دفاعية لا يُستهان بها، فضلًا عن أنّها قادرة على الوقوف في وجه محاولات إسرائيل الرامية إلى الاستفراد بدول المنطقة بعد انتهاء الحرب على إيران.

تعي القيادة السياسية التركية أنّ الحرب الأميركية الإسرائيلية أدّت إلى إضعاف إيران كثيرًا، وأوجدت فرصةً لتركيا كي تعزّز حضورها الإقليمي، ووضعتها في حالة تنافس مباشر مع إسرائيل، لذلك انخرطت أنقرة في الوساطة من أجل إنهاء الحرب، وسعت إلى التنسيق مع كلٍّ من باكستان والسعودية ومصر لإعادة بناء توازنات إقليمية يمكنها الوقوف في وجه التوسّعية الإسرائيلية.

لا تريد تركيا تمدّد الحرب على إيران، أو تحويلها إلى إكراه يُفرض على دول المنطقة، وقد نصح وزير خارجيتها فيدان بعدم الدخول في "صراع كلامي مع الولايات المتحدة وإسرائيل وأنت لا تملك أيًّا من هذه القدرات"، بمعنى أنّ المسألة لا تنحصر في الإرادة، بل في القدرة على الصراع عبر امتلاك أدواته. وفي خضمّ التغيّرات في المنطقة، سعت إسرائيل إلى فتح مواجهة مع تركيا في سورية بعد سقوط نظام الأسد، لكن على الرغم من العلاقات المميّزة مع سورية الجديدة، تفادت تركيا تحويل سورية إلى ساحة تماس مع إسرائيل، وحافظت على سعيها لتأمين حدودها الجنوبية ومنع تشكيل كيانات معادية لها، فيما استمرّت إسرائيل في اعتداءاتها وتوغّلاتها في الأراضي السورية، فضلًا عن محاولتها تحويل جنوبي سورية إلى منطقة أمنية ومنزوعة السلاح.

تسهم المحاولات الإسرائيلية، الهادفة إلى تحويل تركيا إلى عدو، في زيادة منسوب التوتّر في علاقات تركيا وإسرائيل، إلا أنّ الأمور مرشَّحة لأن تبقى ضمن مبدأ الاحتواء المتبادل، القائم على إدارة التنافس بوساطة آليات غير مباشرة، ويجسّده سعي متبادل إلى تدوير زوايا الخلافات وعدم الدخول في مواجهات مفتوحة، ما يعني استبعاد المواجهة العسكرية، لكن من غير المرجَّح أن يبرد التنافس بينهما في سورية، وربّما يتطوّر نوع من المواجهة الإقليمية الباردة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد