أوراق سياسية

لبنان بين التصعيد الإسرائيلي وسياسة “العصا والجزرة” الأميركية!

post-img

غسان ريفي (سفير الشمال)

في الوقت الذي يتواصل فيه التصعيد العسكري الإسرائيلي جنوباً، يقف لبنان أمام مرحلة سياسية دقيقة، لا تحتمل المغامرات ولا الانجرار إلى خيارات تفاوضية غير متكافئة. 

أكثر من 45 غارة جوية شنتها إسرائيل على الجنوب أمس، أدت إلى ارتقاء 15 شهيداً وعدد من الجرحى بينهم نساء وأطفال وجندي لبناني مع عائلته، بحسب بيانات وزارة الصحة اللبنانية، لا سيما في بلدات زبدين، تول، حاروف، جبشيت والنبطية الفوقا، إضافة إلى قصف مدفعي صهيوني لم ينقطع واستمرار في أعمال هدم المنازل.

هذه المعطيات ترسم مشهداً ميدانياً ضاغطاً يعكس حقيقة واحدة هي أن إسرائيل لم تلتزم بأي وقف لإطلاق النار، بل تسعى إلى فرض معادلات جديدة بالنار.

في المقابل، جاء رد المقاومة واضحاً ومباشراً، عبر استهداف تجمعات لجنود العدو، وتدمير أربع دبابات ميركافا، وإسقاط مسيّرة من نوع “هيرمس 450”، فضلا عن قصف منطقة الجليل بمسيّرة انقضاضية. 

وقد أدى ذلك إلى سقوط قتيل و13 جريحا، في رسالة ميدانية تؤكد أن قواعد الاشتباك لا يمكن تعديلها من طرف واحد.

لا شك في أن مسيّرات المقاومة بدأت تضاعف من القلق الإسرائيلي، كونها تشكل عامل إرباك حقيقي للعدو وتحدٍ كبير لجيشه بحسب خبراء عسكريين إسرائيليين يعكفون على دراسة نوع هذه المسيّرات وكيفية مواجهتها، كونها تضع الجنود الصهاينة في مرمى الاستهداف السهل والسريع وترفع يوميا من عدد الإصابات في صفوفهم. 

وسط هذا المشهد، تدفع الولايات المتحدة الأميركية باتجاه مسار سياسي غير واضح المعالم، عبر الترويج للقاء مباشر بين رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ، تحت عنوان “ضمانات السيادة” وإعادة الإعمار. (كما جاء في بيان سفارتها في بيروت) والتي قدمت طروحات تبدو أقرب إلى سياسة “العصا والجزرة”، حيث تُربط الوعود بانسحابات إسرائيلية جزئية، في محاولة لفرض تنازلات سياسية لبنانية تحت الضغط العسكري.

في غضون ذلك، يسعى الموقف اللبناني الرسمي إلى الهروب من الإحراج الأميركي، عبر التمسك بعدم الذهاب إلى مفاوضات مباشرة تحت النار، واعطاء الأولوية المطلقة للالتزام بالهدنة بكل مندرجاتها. 

هذا الموقف لا ينطلق من حسابات ظرفية، بل من قراءة واقعية للتجارب أثبتت أن إسرائيل تستخدم المفاوضات كغطاء لتحقيق أهداف ميدانية، وهي تمارس السلوك نفسه اليوم حيث ترى في وقف إطلاق النار فرصة لتنفيذ مشروعها في إقامة المنطقة العازلة. 

كل ذلك يؤكد نوايا إسرائيل العدوانية، وأن هدفها يتجاوز الاعتداءات التقليدية إلى فرض معادلة أمنية جديدة داخل الأراضي اللبنانية، واستفراد المقاومة وفصلها عن المسار السياسي، وهو ما يشكل خطراً مباشراً على السيادة اللبنانية وعلى توازن الردع القائم.

أمام هذا الواقع، ما يزال لبنان الرسمي والشعبي يتمسك بالأولويات الوطنية التي لا يمكن القفز فوقها، لجهة: وقف الاعتداءات والاغتيالات، انسحاب إسرائيل الكامل، إطلاق الأسرى، وقف التدمير، عودة النازحين، والانطلاق في إعادة الإعمار بضمانات أميركية واضحة وملزمة، وهذه ليست شروطاً تفاوضية، بل حقوق بديهية ترفض الأكثرية الساحقة من اللبنانيين التنازل عنها.

في هذا الإطار، تشدد المقاومة والرئيس نبيه بري على التمسك برفض المفاوضات المباشرة، وعلى اعتماد القنوات غير المباشرة، خصوصاً عبر لجنة “الميكانيزم”، التي أقرّها اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، والذي يمنح لبنان حق الدفاع عن النفس، ويلزم إسرائيل بالانسحاب ووقف أعمالها العدائية، وهو ما لم يحصل حتى الآن ولا يبدو أنه سيحصل.

الإصرار الأميركي على صورة سياسية تجمع لبنان بإسرائيل على المستوى الرئاسي، في ظل غياب أي التزام إسرائيلي بالهدنة، يكشف أن الهدف ليس حماية لبنان، بل إعادة ترتيب المشهد الإقليمي بما يخدم المصالح الإسرائيلية أولاً. وعليه، فإن الانخراط في مفاوضات مباشرة في هذه الظروف لن يكون سوى تنازل مجاني، يُضعف الموقف اللبناني ويمنح العدو ما عجز عن تحقيقه في الميدان.

كل ذلك يضع لبنان أمام مفترق طرق، فإما التمسك بثوابته الوطنية والتمسك بفرض وقف النار كمدخل لأي مسار تفاوضي سياسي، أو الانزلاق إلى مفاوضات غير متكافئة تُدار تحت الضغط وتؤدي إلى فتنة تلوح في الأفق، والتاريخ القريب يؤكد أن ما يُنتزع بالصمود لا يُمنح على طاولة المساومات.

تقول مصادر سياسية متابعة: إن “رفض المفاوضات المباشرة ليس موقفاً تكتيكياً، بل ضرورة سيادية لحماية لبنان من فرض وقائع سياسية بقوة النار، ولضمان أن أي مسار تفاوضي مستقبلي سيكون قائماً على توازن حقيقي، لا على إملاءات مفروضة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد