د. جهاد إسماعيل (صحيفة البناء)
تعقيباً على الأصوات النيابية الّتي تدعو إلى تعليق قانون مقاطعة “إسرائيل” بهدف إنجاح مسار المفاوضات، ثمة تساؤلات حول مدى دستورية هكذا اقتراح؟
أولاً: من الثابت أنّ سلطة مجلس النواب في التشريع ليست مطلقة، بل مقيّدة بأحكام الدستور، ومن بين هذه الأحكام هو الفقرة “ب” من مقدمة الدستور الّتي أكّد لبنان، بموجبها، على التزام لبنان بميثاق جامعة الدول العربية الّذي يشير، في المادة السابعة منه، إلى أنّ قرار مجلس الجامعة هو ملزم لجميع الدول المشتركة في الجامعة فور اتخاذه بالإجماع أو ملزم للدول التي تقبله لحظة اتخاذه بالأكثرية، وبما أنّ مجلس جامعة الدول العربية قرّر في جلسته المنعقدة في 29/3/1952 وضع مشروع لقانون تعتمده الدول العربية لمقاطعة “إسرائيل” قبل أن يصادقه المجلس لاحقاً بموجب مشروع وضعته اللجنة القانونية الدائمة بصيغة الإجماع، مما يعني أنّ إقرار قانون لتعليق قانون مقاطعة “إسرائيل” هو مخالف للمادة السابعة من ميثاق الجامعة، بحيث لا يجوز إجراء التعليق قبل أن يعدّل مجلس الجامعة القرار الملزم الّذي كان قد اتخذه في حينه، لا سيما أنّ هذا الإلزام عبّر عنه القانون نفسه في الأسباب الموجبة، لكن حظر التعليق لا يحجب حقّ مجلس النواب في تعديل قانون مقاطعة “إسرائيل”، على اعتبار أنّ مجلس النواب حين أقرّ القانون المطروح لم يتبنَ، حرفياً، المشروع الّذي أقرّه مجلس الجامعة العربية، بل أجرى عليه التعديلات الّتي صاغتها، حينذاك، لجنة الادارة والعدل، انطلاقاً من أنّ التعديل لا يبدّد، أصلاً، التوجّه العربي، كما لا يُزيح نصاً دستورياً…
ثانياً: إنّ المجلس الدستوري اللبناني، في القرار رقم 7/2024، قضى فيه أنّ لبنان، بموجب مقدمة الدستور، ملتزم بمواثيق جامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ما يضفي عليها جميعاً القيمة الدستورية بحسب تعبير المجلس نفسه ومن بينها ميثاق جامعة الدول العربية.. ومن جهة أخرى قد يُرَدّ على هذا التحليل من منطلق أنّ القوة الإلزامية للقرارات الصادرة عن مجلس الجامعة مشكوك بنفاذها، إلا أنّ هذا التحليل يصطدّم، برأينا، بالفقرة الثانية من المادة 18 من ميثاق الجامعة الّتي تخوّل مجلس الجامعة حق اعتبار أيّة دولة لا تقوم بواجبات هذا الميثاق منفصلة، مما يعني أنّ قرارات الجامعة لا تعتبر ملزمة فحسب، بل تتمتّع أيضاً بصيغة تنفيذية، أيّ ترتّب جزاءً على مَن يخالف قراراتها المتخذة وفق أحكام الميثاق، على خلاف قرارات مجلس الأمن الدولي الّتي لا تتمتّع جميعها بالصيغة التنفيذية إلا عندما تصدر تحت الفصل السابع ولو كانت محكومة بمجملها بالقوة الإلزامية بموجب المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة..
ثالثاً: من الثابت أنّ ثبوت حدوث تعليق القانون بناءً على إكراه أو ضغوط خارجية، يخالف مبدأ الاستقلالية التامة الّذي أكدته المادة الأولى من الدستور، في حين أنّ مجلس النواب عندما يمارس التشريع، وفق قرار المجلس الدستوري رقم 2/2002، فهو يمارس السيادة الوطنية، إذ، عندئذٍ، لا تجوز أن تكون الممارسة السيادية لا تعكس السيادة الداخلية والخارجية، في حين أنّ وكالة النائب المنتخب من الناخبين، وفق ما يُستفاد من المادة 27 من الدستور، غير معلّقة على شرط أو قيد أو تعليمات يضعها الناخبين، مما يعني أنّ الدستور حصّن النائب مسبقاً من أي ضغوط من قبل الناخبين، فمن باب أولى، وعلى وجه الاستطراد، أن لا يصحّ أن يتلقى النائب تعليمات من غير الناخبين…
جرّاء ما تقدّم، يتبيّن لنا أنه يجوز تعديل قانون مقاطعة “إسرائيل” ما دام أن سقف هذا التعديل لا يغيّر من توجّه أو مسار قرار مجلس الجامعة العربية، إلا أنّ تعليقه يستهدف نصاً واراداً في الدستور، بحيث لا تُجرى المواءمة مع أحكامه في هذا المضمار إلا عندما يقرّر مجلس جامعة الدول العربية إتخاذ منحى آخر…