معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي
هذا السؤال لا ينطلق أو يتعلق بوجود قوات مصرية داخل دولة الإمارات، الأخطر من ذلك بكثير، هو قرار إعلان هذا الوجود في هذا التوقيت تحديدًا.. ! في منطقة شرق غرب آسيا (الشرق الأوسط)، الجيوش العسكرية لا تتحرك أمام الكاميرات عبثًا، والدول لا تكشف ترتيباتها العسكرية الحساسة إلا عندما تريد إرسال رسالة تتجاوز الحدث نفسه. لذلك؛ يصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا توجد قوات مصرية في الإمارات، بل لماذا أصبح مطلوبًا سياسيًا وإعلاميًا أن يعرف الجميع بوجودها الآن؟
الإعلان جاء في ذروة اشتعال إقليمي مفتوح، حيث تتحول المنطقة تدريجيًا إلى ساحة مواجهة واسعة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة، وإيران ومحور المقاومة من جهة أخرى. لم يعد الأمر متعلقًا بغزة وحدها، ولا حتى بلبنان أو البحر الأحمر بصورة منفصلة، بل أمام حرب إقليمية متشابكة تتداخل فيها الممرات البحرية والطاقة والقواعد العسكرية وشبكات الردع.
في هذا السياق، يصبح ظهور مقاتلات مصرية داخل دولة الإمارات أكثر من مجرد تعاون عسكري ثنائي.. إنه إعلان دخول مصري أوضح إلى البنية الأمنية الخليجية الجديدة، وهي بنية لم تعد تعمل فقط تحت عنوان “الدفاع الخليجي”، أيضا ضمن شبكة أوسع تقودها واشنطن وتشارك فيها "إسرائيل"، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.. وهنا تظهر أول فجوة خطيرة في الخطاب الرسمي المحيط بالحدث.
الدولة المصرية تتصرف وكأن هذا التموضع يحظى بإجماع داخلي تلقائي، في حين أن الواقع المصري يقول شيئًا مختلفًا تمامًا؛ فخلال الأشهر الأخيرة، كان المزاج الشعبي المصري، والعربي عمومًا، واضحًا إلى حد بعيد في تموضعه السياسي والعاطفي. قطاعات واسعة من الرأي العام لم تنظر إلى إيران بوصفها "الخطر المركزي"، كما تحاول واشنطن وبعض العواصم الخليجية تقديمها، بل هي ترى أن مركز الصراع الحقيقي ما يزال يتمثل بــ:إسرائيل" والدور الأمريكي في المنطقة... حتى إن قطاعات شعبية واسعة أظهرت، بصورة مباشرة أو ضمنية، تعاطفًا مع أي استنزاف تتعرض له القواعد الأمريكية أو المنظومات الإسرائيلية، ليس بالضرورة انطلاقًا من تبنٍّ كامل للمشروع الإيراني، إنما انطلاقًا من فهم يرى أن الصراع الأساسي ما يزال صراعًا مع الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية.
تحديدً، هنا، تكمن المعضلة الأخطر.
إذا بدا أن القوات المصرية العسكرية تتحرك داخل شبكة حماية للمصالح الأمريكية والإسرائيلية في الخليج، وذلك يضع المؤسسة العسكرية المصرية أمام مأزق رمزي وسياسي شديد الحساسية. هذا؛ لأن صورة الجيش المصري، تاريخيًا، ارتبطت، ولو على المستوى الوجداني والشعبي، بفكرة الجيش الوطني المرتبط بقضايا الأمة والصراع مع "إسرائيل"، لا بوصفه جزءًا من منظومة ردع تعمل لحماية التوازنات الأمريكية في الخليج.
هذا لا يعني بالضرورة أن الدولة ستواجه انفجارًا داخليًا مباشرًا، لكن المشكلة الأعمق تتعلق بالشرعية السياسية والأخلاقية لأي انخراط عسكري طويل أو متصاعد. إذ إن الحروب لا تُقاس بعدد الطائرات والقواعد وحسب، أيضا بقدرة الدولة على إقناع شعبها بسبب القتال وحدوده وأهدافه. من هنا تصبح القضية الدستورية أكثر خطورة مما تبدو عليه في النقاشات السطحية.
المادة 152 من الدستور المصري تشترط، بوضوح، التشاور مع مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب على إرسال قوات قتالية إلى خارج الحدود. صحيح أن النظام السياسي الحالي أعاد تشكيل المجال المؤسسي بطريقة تجعل البرلمان أقرب إلى مساحة تصديق سياسي منه إلى سلطة رقابة حقيقية، لكن هذا لا يلغي جوهر المشكلة.
حين يجري تجاوز الأطر الدستورية في قرار بهذا الحجم، فإننا لا نكون أمام قرار دولة بقدر ما نصبح أمام قرار سلطة.. والفارق هنا مصيري. الدولة، حين تدخل الحرب، تفعل ذلك عبر شبكة مؤسسات وإجماع ومسؤولية جماعية. أما حين يُختزل القرار في الدائرة التنفيذية الضيقة، فإن أي فشل أو تصعيد أو استنزاف يتحول مباشرة إلى عبء سياسي على النظام نفسه.. والأخطر أن الضبابية المحيطة بالمهمة العسكرية تجعل السيناريوهات كلها مفتوحة.
لا أحد يعرف طبيعة الانتشار الحقيقي. هل نحن أمام مفرزة رمزية؟ أم قوات جاهزة للاشتباك؟ هل الدور دفاع جوي؟ حماية منشآت؟ مشاركة في غرفة عمليات إقليمية؟ ما حدود التنسيق مع القوات الأمريكية؟ هل توجد تقاطعات عملياتية غير مباشرة مع "إسرائيل" التي تمتلك أصلًا حضورًا أمنيًا متناميًا داخل الخليج؟
هذه ليست تفاصيل تقنية، هي أسئلة تحدد ما إذا كانت مصر تتحرك ضمن مفهوم "الدفاع العربي" أو داخل بنية حرب إقليمية تقودها واشنطن..هنا تحديدًا يظهر الخطر الاستراتيجي الحقيقي.
هذا؛ لأن أي استهداف للقوات المصرية سيضع القاهرة أمام معادلة شديدة التعقيد. إذا تعرضت هذه القوات لضربة إيرانية مباشرة، أو غير مباشرة، هل تمتلك مصر قرار التصعيد الكامل؟ وهل تملك أصلًا استراتيجية خروج من صراع قد يتوسع بسرعة خارج السيطرة؟ أم أن القاهرة قد تجد نفسها مندفعة تدريجيًا داخل حرب لم تحدد هي قواعدها أصلًا؟
المسألة تصبح أكثر خطورة إذا أُخذ الوضع الاقتصادي المصري بالحسبان؛ فالدولة التي تواجه ضغوطًا هائلة، من الديون إلى أزمة العملة إلى التوترات المرتبطة بالسودان وسد النهضة والبحر الأحمر، ليست في موقع يسمح لها بسهولة بتحمل استنزاف إقليمي طويل أو مكلف. هذا ما يجعل أي انخراط عسكري خارجي عالي الحساسية، خصوصًا إذا كان مرتبطًا بصراع مفتوح بين إيران والولايات المتحدة و"إسرائيل".
في هذا السياق؛ يصبح الإعلان أخطر من الانتشار نفسه.
هذا؛ لأن الرسالة لا تقول فقط إن هناك قوات مصرية داخل دولة الإمارات، بل توحي بأن القاهرة تعيد تموضعها داخل خريطة التحالفات الإقليمية الجارية، في لحظة تتشكل فيها المنطقة على إيقاع الحرب لا التسويات.
لكن السؤال الذي سيبقى معلقًا فوق ذلك كله هو: هل تتحرك مصر كونها قوة عربية مستقلة تحاول حماية أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية، أم أنها تنجرف تدريجيًا إلى موقع وظيفي داخل منظومة تقودها واشنطن وتل أبيب ضد إيران ومحور المقاومة؟
الفارق بين المسارين ليس سياسيًا فقط، أيضا يتعلق بموقع مصر نفسه داخل معادلة الصراع في المنطقة، خلال السنوات المقبلة.