زينب بزي (صحيفة الأخبار)
وصل أخيراً إلى عدد من الشركات عرض تجاري ممهور بشعارَيْ وزارة الاتصالات وشركة «ألفا»، يتضمّن للمرة الأولى تفاصيل واضحة ومباشرة حول بدء تسويق خدمات «ستارلينك» رسمياً داخل السوق اللبنانية، عبر متطلّبات وباقات الاشتراك والأسعار والعقود المُخصّصة. أهمية الأمر لا تكمن في مضمون العرض فحسب، بل في كونه يكشف للمرة الأولى أنّ الدولة اللبنانية انتقلت من مرحلة الترخيص الضبابي والاستثنائي لـ«ستارلينك» إلى مرحلة التسويق الفعلي للخدمة، إنما عبر شركة اتصالات محليّة تملكها الدولة، وذلك من دون أي نقاش حول التداعيات الأمنية والسيادية لهذا المسار.
والأكثر خطورة أن تأتي هذه الخطوة فيما كانت صحيفة «هآرتس» العبرية تنشر تحقيقاً عن قدرات إسرائيلية متقدّمة لتعقّب مستخدمي شبكة Starlink وتحليل بياناتهم وربطها بهويات فعلية عبر أنظمة مراقبة تعتمد على تحليل البيانات الضخمة والنشاط الرقمي في مناطق الحروب والنزاعات. أي إن لبنان، وفي ذروة الحرب والاختراقات الأمنية اليومية، لا يكتفي بفتح الباب أمام شبكة اتصالات أجنبية هي محور جدل أمني، بل يبدأ بالترويج لها عبر شركة تملكها الدولة.
العرض الموزّع على الشركات لا يوحي بخدمة استثنائية أو محدودة، بل بمنظومة تجارية يجري إدخالها تدريجياً إلى السوق اللبنانية، إذ تشمل باقتين أساسيتين: الأولى بسعة 500 GB والثانية بسعة 1 TB، مع خيار الدفع الشهري أو السنوي المُسبق. وتبدأ الأسعار من 165 دولاراً شهرياً لباقة 500 GB، فيما تصل إلى 277 دولاراً شهرياً لباقة 1 TB، مع خفوضات محدودة في حال الدفع السنوي مُقدّماً. كما يفرض العرض شراء معدّات التشغيل الخاصة بالشبكة (Starlink Kit) مقابل 550 دولاراً كدفعة أولى، إلى جانب التزام تعاقدي لمدة 12 شهراً، وغرامات مرتفعة في حال الإلغاء المبكر، فضلاً عن إمكان شراء حزم إضافية بسعة 500 GB مقابل 140 دولاراً عند استهلاك الباقة الأساسية.
اللافت أنّ هذه الأسعار تُطرح في بلد يعيش انهياراً اقتصادياً غير مسبوق، ما يعكس أن الخدمة لا تُسوّق كحلّ إنقاذ طارئ للاتصالات أو كخدمة عامة مرتبطة بظروف استثنائية، بل كمُنتج تجاري مرتفع الكلفة موجّه أساساً للشركات، المؤسّسات، الجهات الحكومية والفئات القادرة على تحمّل هذه النفقات، وما تتضمّنه هذه الفئة من «داتا» ومعلومات تطاول مجموعات كبيرة من المواطنين. وبعد الاستفسار من شركة «ألفا» عن العرض قالت: «هذه الخدمة أملتها ظروف الحرب، وهي متوفّرة لبعض الإدارات الرسمية والمستشفيات لتسهيل التواصل الطارئ». لكن الواضح أن العرض تجاري وقد وصل إلى مؤسسات لا تندرج في الإطار الذي حدّده الردّ الرسمي لشركة «ألفا».
ورغم خطورة ما ورد في تحقيق «هآرتس»، مرّ هذا العرض في لبنان كأنه تفصيل تقني عادي، من دون أي توضيح من وزارة الاتصالات حول شكل وأهداف التعاون مع ستارلينك، أو لماذا جرى اختيار «ألفا» من دون «تاتش» لتتولّى تسويق الخدمة وتزويد المستخدمين بها، علماً أنّ الشركة هي أساساً مُشغِّل اتصالات محلّي يقدّم خدمات الإنترنت والاتصالات التقليدية. كما أنّ الملف يطرح أسئلة أوسع تتعلّق بطبيعة العلاقة التشغيلية والتقنية بين «ألفا» و«ستارلينك»، وحدود مسؤولية كل طرف، وآليات حماية البيانات، ومن يملك فعلياً السيطرة على حركة الاتصالات والمعلومات.
والأهم: لماذا لم تتولَّ «ستارلينك» بنفسها تسويق خدماتها داخل لبنان بما أن الترخيص الممنوح لها، إذا تناسينا أنّه غير قانوني في الأساس، يسمح بذلك أساساً؟ وما الذي يبرّر إدخال «ألفا» كشريك أو واجهة محلية في هذا المسار تحديداً؟
وفوق كل ذلك، تبقى قصة الترخيص نفسها موضع جدل أساسياً، بعدما جرى الدفع بها تحت عنوان «الظروف الاستثنائية» وتوسيع استخدامها للجهات الحكومية والسفارات والمنظّمات، رغم أن البنية الأمنية والتنظيمية التي يُفترض أن تواكب هذا النوع من الخدمات لم تكن قد استُكملت أساساً، ما يجعل المسألة أبعد بكثير من مجرد إدخال خدمة إنترنت جديدة إلى السوق اللبنانية.
التحقيق في صحيفة «هآرتس» العبرية، الذي أجراه الصحافي الإسرائيلي عمر بن يعقوب، كشف عن تطور جديد في سوق المراقبة الإسرائيلية يتمثّل في قدرة شركات خاصة على تعقّب مستخدمي «ستارلينك». وبحسب التحقيق، طوّرت شركة تُدعى TargetTeam تعمل من قبرص نظاماً يحمل اسم Stargetz، قادراً على مراقبة ما يقارب مليون جهاز Starlink حول العالم، وتحليل وصول الإنترنت إلى ما يصل إلى 5.5 ملايين جهاز متصل بالشبكة، مع إمكانية كشف هوية حوالي 200 ألف جهاز طرفي عبر ربطها ببيانات تعريفية مختلفة. وكشف التحقيق عن شركة ثانية تدعى Rayzone، المعروفة في مجال ما يُسمى استخبارات الإعلانات. وبحسب «هآرتس»، تسوّق الأخيرة قدرة مشابهة لتتبّع مستخدمي «ستارلينك» ضمن حزمة أدوات أوسع، بينها مُنتجات لتحليل البيانات الضخمة وكشف هويات المستخدمين وتخضع مبيعاتها لإشراف وزارة الدفاع الإسرائيلية.
هكذا، لا تعود المخاطرة الأمنية المرتبطة بـ«ستارلينك» محصورة بالمستخدمين أو بالمشتركين فقط، بل تمتدّ لتضع شركتَي الاتصالات اللبنانيتين نفسيهما في قلب هذا التعقيد الأمني والسيبراني. فحين تتحوّل شركة محلية إلى واجهة رسمية لتسويق الخدمة وتزويد المستخدمين بها، تصبح تلقائياً جزءاً من منظومة تطرح أسئلة تتعلّق بالاختراق، المراقبة، وتحليل البيانات، خصوصاً في بلد يعيش عدواناً مفتوحاً. وهنا يبرز السؤال الأكثر خطورة: إلى أي حدّ يمكن للدولة أن تذهب في المقايضة بين الأمن والسيادة من جهة، والعائدات المالية والمصالح السياسية من جهة أخرى؟ وهل باتت حياة اللبنانيين وبياناتهم وتفاصيلهم اليومية مجرّد ثمن يمكن المخاطرة به مقابل حفنة دولارات؟