ناهد خزام/العربي الجديد
غالبًا ما ارتبط تمثيل الشرق في الخيال الغربي بصور نمطية متكرّرة، ظهرت في السرد الأدبي، والصورة البصرية، وصولًا إلى ألعاب الفيديو. غير أن هذا التمثيل دخل مرحلة أكثر تعقيدًا مع صعود أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ إذ نجد أنفسنا اليوم أمام نظام بصري متكامل يعيد إنتاج هذا الخيال على نطاق واسع وبسرعة غير مسبوقة. تكمن خطورة هذه الأدوات في أنها تقدم نفسها بوصفها تقنية محايدة، بينما هي امتداد لتاريخ طويل من إعادة تخيّل الشرق وفق منظور غربي.
تظهر هذه الإشكالية على سبيل المثال بوضوح في تمثيل مصر القديمة، فالنقوش الجدارية التي تعود للحضارة المصرية القديمة تقدم عالمًا بصريًا قائمًا على البساطة والتوازن، أجساد رشيقة، وملابس كتان خفيفة، وزخارف محدودة، وهيبة هادئة لا تحتاج إلى المبالغة. لكن هذه الصورة تكاد تختفي حين ننتقل إلى السينما أو الألعاب أو حتى الصور التي ينتجها الذكاء الاصطناعي اليوم. هنا، يظهر الفرعون في هيئة أسطورية، مرتديًا دروعًا ذهبية ثقيلة، ومحاطًا بإضاءة درامية وتفاصيل أقرب إلى الفانتازيا.
هذه الفجوة هي نتيجة مسار طويل من إعادة تشكيل الصورة البصرية للشرق. ففي القرن الـ19، سعى الفنانون الأوروبيون إلى تقديم الشرق بوصفه فضاءً مبهرًا وغامضًا ومحمّلًا بالفخامة، بما يتوافق مع الذائقة الجمالية الأوروبية آنذاك. عُرفت هذه النزعة بالاستشراق الفني (Artistic Orientalism)، وضمت عشرات الأسماء لفنانين غربيين، لعل أشهرهم الفرنسيان جان ليون جيروم، وأوجين ديلاكروا، اللذان قدما الشرق باعتباره مسرحًا بصريًا للغرابة والإثارة.
في السينما لم تكن البساطة المصرية مقنعة، فجرى تضخيمها بصريًا. في أفلام شهيرة مثل "كليوباترا"، و"الوصايا العشر"، و"المومياء"، أعيد تصميم التيجان والزخارف، كما استبدلت نوعية الأقمشة بأخرى تبدو أكثر ثقلًا مع ألوان زاهية. حدث الأمر نفسه في ألعاب الفيديو، مثل لعبة "أساسنز كريد"، ما ساهم في ترسيخ هذه الصورة في الأذهان.
مع دخول الذكاء الاصطناعي بُنيت الصورة الجديدة المولدة عن طريقه على هذا الأرشيف المتراكم. فالنماذج البصرية تتعلم من الصور المتاحة لها، وبما أن الجزء الأكبر من هذه الصور يأتي من السينما والألعاب والفن الغربي، فإنّ النتيجة الحتمية هي إعادة إنتاج القوالب البصرية نفسها، ولكن بشكل أكثر كثافة وانتشارًا.
هنا تحديدًا يظهر ما يمكن تسميته بالاستشراق الرقمي، أي إن الخيال الغربي عن الشرق أصبح جزءًا من البنية التحتية للصور التي تنتجها الخوارزميات. وبالتالي، حين يطلب مصمم أو فنان عربي صورة لملك بابلي أو فرعون مصري باستخدام الذكاء الاصطناعي، يحصل غالبًا على نسخة محسنة تقنيًا من الخيال النمطي نفسه.
هذه المشكلة تمتد إلى حضارات الشرق القديم عمومًا، ففي بلاد الرافدين، مثلًا، تتحول التفاصيل النحتية الدقيقة إلى مبالغات زخرفية، وتختلط العناصر الآشورية بالفارسية، بينما تُعاد صياغة الشخصيات وفق قوالب بطولية مستمدة من ألعاب الفيديو. وفي تمثيل فارس القديمة، تهيمن صورة الإمبراطورية المذهلة المليئة بالذهب والحرير، كما يظهر بوضوح في فيلم "300"، متجاهلةً الفروق الدقيقة في المواد والبيئة والتقاليد.
المصمم وفنان الغرافيك المصري معتز ختعن يحاول كسر هذه الحلقة عبر وعي نقدي بأدوات الذكاء الاصطناعي نفسها. في أعماله التي نشرها عبر صفحته على "فيسبوك"، خصوصًا تلك المتعلقة بإحياء وجوه الفيوم أو إعادة تخيّل الحياة اليومية في مصر القديمة، يسعى ختعن إلى استعادة منطق بصري مختلف، أقرب إلى الأثر منه إلى السينما.
يوضح ختعن أن المشكلة ليست في الأداة، وإنما في كيفية توجيهها، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن ينتج صورًا أقرب إلى الواقع التاريخي، لكن ذلك يتطلب تدخلًا واعيًا من المستخدم، عبر الأوامر النصية (Prompt). يقترح ختعن مجموعة من الاستراتيجيات العملية التي يمكن أن تُحدث فرقًا واضحًا في النتائج. أوّل هذه الاستراتيجيات هو استخدام النفي بشكل صريح، أي أن يحدد المستخدم ما يريده، وما لا يريده أيضًا. فبدلًا من الاكتفاء بعبارة مثل "فرعون مصري قديم"، يجب إضافة أوامر تستبعد العناصر الشائعة في الفانتازيا الغربية، مثل الدروع الثقيلة أو التيجان الضخمة أو التأثيرات السينمائية.
الاستراتيجية الثانية تتعلق بالتركيز على البيئة، فحين يُدرج المستخدم عناصر مثل حرارة المناخ النيلي، أو طبيعة الملابس المناسبة للحر، يبدأ النموذج بتعديل اختياراته البصرية تلقائيًا. هذه التفاصيل، التي قد تبدو هامشية، تلعب دورًا حاسمًا في توجيه الصورة بعيدًا عن القوالب الجاهزة.
أما الاستراتيجية الثالثة، فهي استخدام مفردات مرتبطة بالبحث الأثري، مثل "إعادة بناء الصورة تاريخيًا" أو أن تكون الصورة "واقعية أثرية". هذه المصطلحات تدفع النموذج نحو مراجع أقرب إلى المتاحف والدراسات، بدلًا من السينما والألعاب. وبالمثل، يساعد وصف المواد الحقيقية، كالكتان، والحجر الجيري، والنحاس، على تثبيت الصورة ضمن إطار واقعي، مقابل المواد الخيالية التي تهيمن على الفانتازيا.
الأهم من ذلك كله هو إدراك أن هذه العملية هي شكل من أشكال استعادة السرد البصري، فحين يتمكن فنان عربي من إنتاج صورة معبرة عن حضارات الشرق، لا بد أن تستند هذه الصورة إلى البيئة الحقيقية لهذه الحضارات، وليس إلى خيال هوليوود، وحينها يعيد امتلاك جزء من تاريخه. هذا البعد هو ما يجعل النقاش حول تمثيل الشرق في الذكاء الاصطناعي جزءًا من نقاش أوسع حول المعرفة والسلطة. فالصورة، في النهاية هي طريقة في رؤية العالم. وإذا كانت هذه الطريقة مشروطة تاريخيًا بخيال استشراقي، فإن إعادة النظر فيها تصبح ضرورة.
في السنوات الأخيرة، بدأت بعض الدراسات الأجنبية تتناول هذه الإشكالية تحت مسميات مختلفة، أبرزها "التحيز في البيانات" و"الاستشراق الرقمي". وتشير هذه الدراسات إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي تعكس بالضرورة ما هو متاح ومكرر في بياناتها، وبما أن هذه البيانات منحازة تاريخيًا،ستكون النتائج منحازة بالضرورة. لكن ما تضيفه تجربة ختعن، وغيرها من تجارب الفنانين في المنطقة، هو تحويل هذا الوعي النظري إلى ممارسة فعلية.
مع تزايد الوعي بهذه الإشكاليات، قد نشهد ظهور نماذج متخصصة تُدرّب على مصادر أثرية وتاريخية مباشرة، بدلًا من الاعتماد على الأرشيف البصري الغربي. لكن حتى ذلك الحين، سيظل دور المستخدم، حيويًا في توجيه هذه الأدوات. يتعلق الأمر هنا بإعادة التفكير في الطريقة التي نرى بها حضاراتنا، فمصر القديمة، وبلاد الرافدين، وفارس، وغيرها من حضارات الشرق، لا تحتاج إلى مبالغة كي تبدو عظيمة، فربما تكمن عظمتها في بساطتها. إن التحدي الحقيقي هنا هو كسر هذا التكرار، عبر التعامل مع التقنية بوعي؛ وعي بالتاريخ، وبالصورة، وبالخيال الذي نحمله عن أنفسنا.