حدود الكيان غير النهائية ..ما بين النبوءة التوراتية والشعار الصهيوني

post-img

جود نادر/كاتب لبناني

"وقال الرب لأبرام: اذهب من أرضك وعشيرتك، ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك.. فذهب أبرام كما قال له الرب.. فأتوا إلى أرض كنعان.. وظهر الرب لأبرام وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض" (تكوين 12/1). إنه الميثاق أو العهد اليهودي/ الإبرامي، والذي يشكّل الأصل الغيبي للادعاء التاريخي القائل بحقّ اليهود في امتلاك أرض كنعان.

الزمن لا يلغي هذا الحق؛ لأنه حق متوارث: "لنسلك أعطي هذه الأرض. من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات" (تكوين 15/18)..حقّهم في أرض كنعان هو حق توراتي إلى الأبد:"لأن جميع الأرض التي أنت ترى، لك أعطيها، ولنسلك إلى الأبد"...هذا الحق المتوارث، أكدته نصوص توراتية لإسحق بن إبراهيم وليعقوب بن إسحق...ثمّ إلى موسى ويشوع: "لأنّي لك ولنسلك أعطي جميه هذه البلاد، وأفي بالقَسَم الذي أقسمت لإبراهيم أبيك" (تكوين 26/1).

يقول موسى: "ويهوه يطرد جميع الشعوب من أمامكم. فترثون شعوبًا أكبر وأعظم منكم. كلّ مكان تدوسه بطون أقدامكم يكون لكم. من البرّيّة ولبنان. ومن نهر الفرات إلى البحر الغربي، يكون تخمكم.." (تثنية 11/23)

بعد موت موسى كلَّم يهوه يشوع قائلًا: "قم اعبر هذا الأردن أنت وكلّ الشعب إلى الأرض التي أنا معطيها لبني إسرائيل. كلّ موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم اعطيته. من البرّية ولبنان، وإلى النهر الكبير، نهر الفرات، وإلى البحر الكبير نحو مغر الشمس يكون تخمكم" (يشوع 1/1).

الوعد/ القسم الإلهي، يسوّغ فكرة احتلال الأرض الكنعانية. الفكر الصَّهيوني يعتقد أن المسألة هي مسألة تحرير واسترجاع، لا مسألة احتلال واستيلاء. لذلك يستخدم المسؤولون، في "إسرائيل" اليوم، عبارة "الأرض المتنازع عليها"، وكذلك المسؤولون الأميركيون، في حين أن العرب يستخدمون عبارة الأراضي المحتلة.

المناطق العربية المحتلة، في المنطق الصهيوني، هي مناطق "إسرائيلية" قد حرّرت، والاستيلاء عليها تحقيق لما جاء من نبوءات في أسفار العهد القديم.

حدود الكيان الصهيوني هي نفسها التي حدّدها "يهوه"، في كتاب العهد القديم. في 3 شباط/ فبراير 1919، رفع الوفد الصهيوني، إلى مؤتمر الصلح في باريس، مذكرة بعنوان: "إعلان المنظمة الصهيونية بصدد فلسطين" جاء فيها: "حدود فلسطين ستكون على الشكل الآتي: شمالًا خطّ وهمي ينطلق من نقطة قرب مدينة صيدا، ويتّجه شرقًا إلى جسر القرعون، ثمّ ينحدر جنوبًا عبر قمم حرمون، فيمرّ غربي درعا وعمان، ويسير بمحاذاة الخطّ الحديدي الحجازي حتى خليج العقبة، وجنوبًا من خليج العقبة إلى العريش على البحر المتوسط". هذه حدود حيوية لاقتصاد "البلاد"، و"يجب أن تكون لفلسطين منفذٌ على البحر، وأن تسيطر على الأنهر وينابيعها".

من هذا الإعلان، نتبَّين حدود "دولة إسرائيل" في تصوّر قيادة الحركة الصهيونية. هذه الحدود تضمّ، فضلًا عن فلسطين، الأردن بضفتيه الشرقية والغربية، لبنان الجنوبي ومنه مدينة صيدا وجنوب غربي سوريا، مرتفعات الجولان وفيها مدينة القنيطرة.

وعليه، فالأطماع الصهيونية في لبنان وسوريا والأردن، تبدو واضحة تلك المذكرة التي قدّمتها، كم أشرنا، الجمعية الصهيونية العالمية إلى المجلس الأعلى لمؤتمر السلام في باريس.

 حدود "إسرائيل الراهنة" ليست هي حدود "إسرائيل" كما تريدها الصهيونية، وهذا لا يعني أن مسألة الحدود أصبحت محسومة، لطالما ميّز ديفيد بن غوريون بين "إسرائيل/ الوسيلة" و"إسرائيل/ الهدف النهائي". في ضوء هذا التمييز نرى قبول الحكومات الإسرائيلية بحدود مرحلية أو الحدود/ الوسيلة.

دايفيد بن غوريون حدّد خطوط الكيان الصهيوني، في العام 1950، وهي الخطوط نفسها التي حدّدها تيودور هرتزل، والتي حدَّدها يهوه: "فليفهم الجميع أن إسرائيل قد قامت بالحرب، وإنها لن تقنع بحدودها (حدود1948)، وإن "الإمبراطورية الإسرائيلية" ستمتد من النيل إلى الفرات"(الكتاب السنوي لحكومة إسرائيل لعام 1950).

أما حاييم وايزمان، فيميز بوضوح بين حدود الدولة/ الوسيلة، وحدود الدولة/ الهدف، فيقول: "إنّ خلق الدولة الجديدة لا ينقص بحال من الأحوال إطار الحدود التاريخية لأرض إسرائيل" (الكتاب السنوي لحكومة إسرائيل لعام 1955).. وهذا ما يعيد تأكيده ليفي أشكول بقوله:" إنّ الأرض التي تملكها دولة إسرائيل (عام 1964) لا تغطّي في الحقيقة سوى 20% من فلسطين التاريخية".

اليوم؛ الحدود الراهنة، هي حدود انتقالية ومؤقّتة، وهناك الدولة وهناك الأمة، حدود الدولة الراهنة ليست حدود "الأمة التاريخية". "إسرائيل" هي دولة من دون حدود، ويمكن القول هي دولة حدودها مفتوحة على حدود الأمة التاريخية. وإن مفهوم الحدود الآمنة مرتبط حكمًا، أو هو نفسه مفهوم "الحدود التوراتية". فضلًا عن البعد التوراتي للحدود، تبقى مسألة المياه مرتبطة، كذلك، بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والاستيطان، وحاجة المستوطنين من أجل الزراعة.

كان فلاديمير جابوتنسكي يؤكد أن حدود الدولة /الهدف، هي حدود فلسطين التاريخية، وهو أستاذ مناحيم بيغن زعيم الليكود، والذي رفض قرار تقسيم 1947؛ لأنه ينتقص من مساحة فلسطين.

بناء عليه؛ هنا لا بد من فهم سعي الوفد الصهيوني في مؤتمر السّلام، في توسيع حدود فلسطين؛ لتشمل جنوب لبنان (الليطاني) وجبل الشيخ، والذي يُعَدّ "خزان المياه في فلسطين". ومرتفعات الجولان الذي له أهمية مائية في نظر "إسرائيل"، توظفها في استراتيجية التنمية، وهو ذو أهمية أمنية أو دفاعية في الاستراتيجية العسكرية، فالجولان يحتوي على منابع نهر الأردن والحاصباني والوزاني واليرموك.

لا حياة في "إسرائيل" من دون مياه، الأمر الذي أدركه تمامًا مؤسس الحركة الصهيونية، تيودور هرتزل، إذ أعلن أن البناة الحقيقيين لــ"دولة إسرائيل" هم مهندسو المياه.

الحدود، في المفهوم الصهيوني، إذًا تتلاءم والحاجات الاقتصادية، ولا تخضع لمعايير جغرافية، لذلك ومع وصول بنيامين نتنياهو وتطرفه الصهيوني، فإن حدود الدولة الحالية باتت لا تلبي تطلعات الصهاينة البعيدة المدى. لذلك؛ يستمر الصراع مفتوحًا على المزيد من الاحتراب والصراع لتحقيق النبوءة التوراتية والشعار الصهيوني "حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل".

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد