من يبكي الموتى في بلاد الشهداء؟

post-img

دولة حيدر أحمد (صحيفة الأخبار)

«أفرغي البرّاد… وضبّي الحقائب… بسرعة».

صرخت خالة مريم فيما كانت الأخبار العاجلة تشتعل على شاشات الهواتف، وتتسابق أصوات الصواريخ في السماء نحو كيان الاحتلال. في لحظة واحدة، انقلب البيت إلى فوضى مرتبكة: أكياس تُفتح على عجل، فرش تُطوى بسرعة، وأيدٍ تبحث عمّا يمكن حمله قبل النزوح.
إلا أن القبور لا تُوضَب في حقائب.

الحرب عادت. لكن البيت الذي كان يستعد للهرب، لم يكن قد انتهى بعد من استقبال الموت.

في الغرفة المجاورة، بقيت فناجين القهوة المُرّة التي شرب منها المعزّون قبل ساعات، والكراسي التي لم تُعد إلى أماكنها بعد، ورائحة الكافور الثقيلة عالقة في الهواء. قبل يومين فقط، ماتت أم مريم. إلا أن الحرب جاءت أسرع من الحزن، وقطعت العزاء في منتصفه، كأن الموت نفسه لم يعد يملك الوقت الكافي ليُعاش كما ينبغي.

بدت مريم عاجزة عن مجاراة إيقاع النجاة السريع. خبرت النزوح في مرات سابقة، وتعرف تماماً ما الذي ينبغي فعله، لكن التعب كان أثقل من الحركة. يومان كاملان أمضتهما تستقبل الناس بعد وفاة أمها، فيما كان جسدها وروحها لا يزالان يحاولان استيعاب الغياب. لم يأخذ الحزن شكله الطبيعي بعد، حتى جاءت الحرب لتدفع الموت جانباً، وتفرض على الجميع نجاةً عاجلة.

في الخارج، كانت السيارات تغادر تباعاً تحت أصوات الانفجارات البعيدة. وفي الداخل، كانت مريم تتحرك ببطء لا يناسب الهروب. امتلأت السيارة بحقائب النزوح ومستلزماته، وأُغلق صندوقها أخيراً.

في الحروب، يصبح الموت صامتاً.

لا لأن وجعه أقل، بل لأن أصواتاً أعلى تبتلعه: الشهداء، المجازر، المفقودون، وصور الأطفال الخارجين من تحت الركام. في بلد تمتلئ شوارعه بصور الشهداء وأخبار الغارات العاجلة، يبدو الموت الناتج عن المرض أو الشيخوخة أو التعب وكأنه حزن خافت، مرتبك، يخجل أصحابه من إعلانه كاملاً.

حتى الحداد يصبح ترفاً

ماتت أم مريم بذبحات أنهكت قلبها لحظة الإفطار في رمضان. لكن كيف يمكن لابنتها أن تبكيها الآن أمام عائلات تهدمت بيوتها؟ كيف تتحدث عن خوفها على أمها في قبرها أمام أمهات ما زلن يبحثن عن أثر لأبنائهن الشهداء؟ أمام عائلات امتلأت أيامها بفحوص الـDNA، وبانتظار جثمان، أو يد، أو خاتم؟

ومع ذلك، لم يكن الخوف يتركها.

كانت تخاف أن تبرد أمها في قبرها. تخاف أن ترتجف من أصوات الطائرات الحربية فوق الجنوب. تخاف أن يسقط صاروخ قرب المقبرة. ثم تصمت فوراً، لأن هذا الحزن بدا لها ترفاً أمام الخراب الجماعي.

كانت تقول لنفسها إن أمها، على الأقل، دُفنت في قبر يحمل اسمها. تعرف أين ترقد، بينما غيرها لا يعرف أين اختفى أحباؤه. ثم تبكي بصمت. في الحرب، صار الموت نفسه طبقات.

الشهيد صوته عالٍ. صورته ترتفع على الجدران، واسمه يُنادى في الساحات، والناس تعرف كيف تبكيه جماعياً. أما الموت العادي، فيمرّ خافتاً، كأنه حدث جانبي في بلد يغرق كل يوم بالشهداء.

أحد أقرباء مريم من قرى جنوبي الليطاني استشهد والده خلال الحرب. لم يكن الألم في استشهاده فقط، بل في كل ما تلاه. أُبلغ الأبناء أنهم لن يستطيعوا المشاركة في دفنه بسبب القصف وخطورة الطريق. كل ما مُنح لهم كان دقائق سريعة لوداعه في المستشفى، قبل أن يُنقل وحده إلى القرية.

وقفوا أمام الجثمان عاجزين، كأن الحرب تنتزع منهم آخر حقوق البنوة.

ومع ذلك، تمسكوا بعزاء صغير وسط هذا القهر كله: «المهم دفن في أرضه، ليس وديعة».

كانوا يتحدثون بفخر موجوع عن دفنه في أرض قريته، في التراب الذي عاش فيه، لا في مدينة بعيدة أو مقبرة مؤقتة للنزوح. بدا الأمر وكأنه آخر ما تبقى من كرامة الموت. لكن الوجع ظل ناقصاً.

أن تعرف أن والدك سيُدفن في قريته، فيما أنت عاجز عن السير خلف نعشه، عاجز عن إلقاء النظرة الأخيرة، عاجز حتى عن حفنة تراب فوق قبره.

الوداع الأخير حق

في الحرب، لا يُحرم الناس من أحبائهم فقط، بل من حقهم في توديعهم كما يجب.

في القرى الجنوبية، كان أهل الميت يُعرفون من ازدحام البيت حولهم. من الأبواب التي لا تُغلق، وصوت القرآن الذي يبقى حتى الفجر، وصواني الطعام التي تصل بلا سؤال، والنساء اللواتي يسهرن كي لا يبقى أهل الفقيد وحدهم مع وجعهم.

أما الآن، فقد صار العزاء ناقصاً، مبتوراً، ينتهي مع أول غارة أو أول خبر نزوح.

يموت أحدهم، يُدفن بسرعة، ثم يرحل الجميع للنجاة بأنفسهم، تاركين أهل الفقد وحدهم، كأن الحرب لا تسرق الموتى فقط، بل تسرق أيضاً الذين كان يفترض أن يبقوا إلى جانبهم.

صديقة أخرى دفنت والدها في أول أيام الحرب. أُغلق القبر سريعاً ورحل الجميع. بقي وحده في القرية المقصوفة، فيما نزحت العائلة إلى مدينة بعيدة. لم تُقم له أربعينية، ولا مجلس عزاء، ولا حتى زيارة قبر.

كل مساء، كانت ابنته تبكيه بصمت يشبه تفتت العظام.

لم يستشهد بصاروخ، بل توقف قلبه من التعب والخوف. ومع ذلك، بدا موته أقل قدرة على انتزاع الحزن من الناس المنشغلين بالنجاة.

وفي قرية جنوبية أخرى، توفيت امرأة مقعدة قبل ساعات من إعلان الإخلاء. طوال حياتها كان الناس يشفقون على وحدتها وعجزها، لكنهم يوم دفنها كانوا يواسون بعضهم بعبارة واحدة: «نيالها… ارتاحت وما اعتازت حدا».

بعد ساعات، كانت عائلتها قد نزحت إلى مدرسة رسمية. هناك، بين المقاعد التي تحولت إلى أسرّة، بكتها ابنتها بصمت، فيما الأطفال يركضون حولها، والصفوف الضيقة تستحيل بيوتاً مؤقتة لعشرات العائلات.

حتى البكاء تغيّرت طبيعته في الحرب.

لم يعد مرتفعاً كما كان، بل صار مكتوماً، داخلياً، يشبه الاختناق. في مراكز النزوح لا مساحة لحداد كامل. العائلات تنام متلاصقة، والجدران خفيفة، والخسارات أثقل من أن تُروى دفعة واحدة.

رجل يخرج ليلاً إلى درج المدرسة كي يبكي أخاه الذي مات بالسرطان. فتاة تؤجل إعلان وفاة جدتها أياماً لأن العائلة "لا تحتمل خبراً إضافياً". امرأة تبكي تحت البطانية كي لا توقظ أطفال الآخرين.

الحرب لا تسرق الأرواح فقط، بل تسرق الطريقة التي يودّع بها الناس أحبّاءهم.

حتى الجنازات لم تعد جنازات كاملة. دفن سريع، طرق خطرة، ومشيّعون يراقبون السماء أكثر مما ينظرون إلى النعش. أحياناً يُنقل الشهيد أو الميت من المستشفى إلى قبره مباشرة، بلا بيت عزاء، بلا قهوة مُرّة، بلا تلك الطقوس الصغيرة التي كانت تساعد الناس على احتمال الفقد.

حتى العناق صار مرتبكاً

الناس تستحي من حزنها أمام أم فقدت أبناءها تحت الركام، أو زوجة تنتظر مفقوداً بلا أثر. صار هناك شعور ثقيل بالذنب يرافق أهل "الميت العادي"، كأن عليهم الاعتذار لأن موتهم لم يأتِ بصاروخ.

إحدى الشابات ماتت بحادث سيارة. كانت في العشرينات، بوجه دائم الابتسام. حين انتشر الخبر، جاء السؤال الأول: «كيف استشهدت؟»

وحين جاء الجواب: «ليست شهيدة… ماتت بحادث»، خفت صوت الحزن فجأة، كأن الموت فقد جزءاً من شرعيته لأنه لم يأتِ بصاروخ.

لكن الفقد لا يقارن نفسه بالفقد.

الأم التي فقدت زوجها بعد أربعين عاماً من الحياة المشتركة لا يخف وجعها لأن هناك مجزرة في مكان آخر. والابن الذي لم يتمكن من حضور دفن والده بسبب النزوح سيبقى يحمل شعوراً دائماً بأن الوداع سُرق منه.

كثيرون يتحدثون عن إحساسهم بأن الحرب جمّدت مشاعرهم؛ لا وقت للبكاء الكامل، ولا قدرة على الاستيعاب، ولا حتى رفاهية الانهيار.

تتراكم الأحزان داخل الناس كطبقات صامتة. موت فوق موت، وخسارة فوق خسارة، فيما تستمر الحياة القاسية ببرودها اليومي: البحث عن الخبز، شحن الهاتف، متابعة الأخبار، سؤال الناجين، وانتظار غارة جديدة.

وفي بلد امتلأ بصور الشهداء ومواكب الوداع، بقي هناك حزن آخر، خافت وثقيل، يمشي بمحاذاة الحرب دون أن يراه أحد.

حزن الذين مات أحباؤهم «شكل عادي» في زمن لم يعد فيه شيء عادياً.

حتى أهالي الشهداء والمفقودين صاروا يؤجّلون بكاءهم هم أيضاً. فمنذ حرب العام الماضي، تعلّموا أن للحزن وقتاً مؤجلاً، يأتي فقط حين يهدأ الخوف، وتتوقف حركة النزوح، ويغيب صوت الطائرات والصواريخ عن السماء. أمّا الدموع، فلم تعد تنهمر فور الفقد، بل تُترك لأيام طويلة سيعيشونها لاحقاً، حين يستعيد الحزن والحداد طقوسهما.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد