خضر حسان (صحيفة المدن)
كشفت فضيحة سرقة مئات الأطنان من كابلات النحاس من مستودعات مؤسسة كهرباء لبنان، حجم الانهيار الإداري الذي تعيشه معظم مؤسسات وإدارات الدولة، كنتيجة غير مفاجئة لمسار الفساد المستمر. على أنّ الفضيحة لم تقف عند حدود السرقة، ولا ضخامة حجم المسروقات وقيمتها المالية، بل تمتد لتصل إلى "محاولات لملمة الملف بأقل ضرر ممكن على كبار المسؤولين في المؤسسة"، وفق ما تقوله مصادر في المؤسسة، في حديث لـِ "المدن". ولذلك، وبعد نحو شهرين على فتح الملف، تتّجه الأنظار نحو ما قد ينتهي إليه الملف من خلاصة لا تتناسب مع حجم الفضيحة، خصوصاً وأنّ فتح أبواب المستودعات وتسهيل سرقة بهذا الحجم، قد يجرّ معه انكشاف عمليات سرقة أخرى لا تزال خارج الضوء، وربما تبقى في الظل إذا طويت صفحة سرقة الكابلات النحاسية.
أبواب مفتوحة
نحو 500 طن من كابلات النحاس، خرجت من مستودعات مؤسسة كهرباء لبنان واستبدلت بنحو 350 طن من الحديد. هي عملية سرقة منظّمة كشفها جهاز أمن الدولة، وبناءً على ذلك، قرر المدعي العام المالي القاضي ماهر شعيتو، توقيف أمين المخزن المركزي في المؤسسة بالإضافة إلى مديرة الشؤون المالية، كما استدعى المدير العام للمؤسسة كمال حايك للتحقيق. وبعد نحو شهرين، بردت حرارة الملف، إلاّ أنّ تداعياته ما زالت تتفاعل داخل المؤسسة بصمت. فالتساؤلات بقيت مفتوحة ما دام الكثير من الأبواب في المؤسسة مفتوحة، بدءاً من أبواب المخازن وصولاً إلى أبواب التدخلات السياسية القادرة على إنهاء أي قضية، بشتّى الوسائل.
وتقول المصادر، إنّ ما وصلت إليه نتائج التحقيقات "لم يكن كافياً" قياساً بسرقةٍ بهذا الحجم. لذلك بقي النقاش مفتوحاً، والتقصّي عن التفاصيل داخل أروقة المؤسسة ما زال قائماً بصورة غير رسمية. وفي المقابل، أفضت أصداء الملف إلى "قيام المدير العام ببعض الخطوات ذات الطابع الإصلاحي، في محاولة لإعطاء صبغة إيجابية على المؤسسة مقابل الصبغة السلبية التي جاءت إثر قضية السرقة". وأشارت المصادر إلى أنّ حايك "قام بإجراء بعض التعيينات في المراكز الشاغرة، من خلال التعيين بالوكالة والإنابة. علماً أنّ الكثير من المراكز في المؤسسة لا تزال شاغرة، وتتحمّل إدارة المؤسسة مسؤولية ذلك، وتحديداً بفعل تأثير الشغور على غياب الرقابة". ورغم ذلك "لا تستطيع التعيينات الجديدة إخفاء حقيقة أنّ المسروقات خرجت من أمام مكاتب المسؤولين، وعلى رأسهم حايك الذي أكّد أنّه أجرى جردة للمستودعات، لكنَّ الجردة كانت إلكترونية وليست جردة فعلية على أرض الواقع". مع أنّ انتظام الجردات الحقيقية، فيما لو كانت حصلت بالفعل، لكانت لََحظت أي تغيير منذ البداية، لأنّ "سرقة الكابلات لم تحصل فجأة ولا دفعة واحدة، بل حصلت على دفعات وخلال سنوات". واللافت للنظر أنّ إخراج الكابلات "يحتاج إلى شاحنات وآليات كبيرة. ولذلك يستحيل إخفاؤها إلاّ بتغاضٍ مقصود، بدءاً من رأس الهرم الإداري".
محتويات المخازن
مظاهر التحسينات الإدارية التي بدأها حايك من خلال ملء الشواغر، تفترض بالتوازي استكمال التحقيقات والإجراءات الداخلية للتأكد من المسارب التي توصل إلى السرقات والهدر في المخازن أو الصناديق المالية. ولذلك، قالت المصادر إنّ "على إدارة المؤسسة إجراء جردات حقيقية للمخازن والتأكد من موجوداتها على أرض الواقع. فالحديث عن سرقة 500 طن من الكابلات قد لا يكون دقيقاً، والكميات المسروقة فعلياً قد تتجاوز الـ800 طن. كما أنّ أدواتٍ ومعداتٍ كثيرة لربما اختفت أو عرضة للاختفاء في غياب الرقابة". وإلى جانب المستودعات، أكّدت المصادر أنّ "الصناديق المالية في المؤسسة تحتاج إلى جردات للتأكّد من ابتعادها عن الاختلاسات". وأضافت المصادر أنّ "التحقيقات الأخيرة طالت جزءاً صغيراً من حكاية أكبر، فهل ستستكمل التحقيقات لتطال كل موجودات المخازن والصناديق المالية أم أنّها ستُترَك للزمن لتنام بلا خواتيم واضحة، على قاعدة لا غالب ولا مغلوب؟. أي هناك قضية من دون مسؤولين حقيقيين عنها".
ما يُحكى في أروقة مؤسسة كهرباء لبنان يتجاوز ما ظهرَ في قضية سرقة كابلات النحاس. ولذلك لا يُحسَم الملف إلاّ بجردات رسمية شاملة للمستودعات، تلحظ كل المعدات الموجودة. لتكون بذلك كابلات النحاس، شرارة البدء بعملية إصلاحية واسعة في المؤسسة، إلاّ إذا كان ثمة مَن يحاول وقف الملف عند الحدود التي وصلت إليه.