عبد الله م. بدوي (صحيفة الأخبار)
لا ينبغي ان تقرأ الورقة الأميركية بكونها مجرد نص تفاوضي تمت صياغته في واشنطن، ولا الهدنة المقترحة مجرد وقف إطلاق نار يحتاجه الناس كي يلتقطوا أنفاسهم. في الجنوب، هنا يجب أن تُقرأ الأوراق السياسية من وسط الطريق، عند مدخل القرية، حيث يمكن لجملة واحدة في بيان دولي أن تتحول إلى حاجز، ولعبارة «بسط الأمن» أن تصير وظيفة أمنية مرسومة على قياس إسرائيل.
في الأيام نفسها التي جرى فيها الحديث عن اتفاق برعاية أميركية، وعن وقف نار مشروط، وعن «مناطق تجريبية» جنوب الليطاني يُراد لها أن تكون خالية من حزب الله، تناقلت وسائل الإعلام خبراً يفيد بأن اتصالاً منسوباً إلى جيش العدو الإسرائيلي وصل إلى أهالي دير ميماس والقليعة ومرجعيون وإبل السقي، يطلب منهم إقامة حواجز والتدقيق في هويات الداخلين ومنع الغرباء، بذريعة منع عناصر من حزب الله من دخول القرى وحماية الأهالي من الأذى.
هنا لا يعود الاتصال الإسرائيلي إن صح الخبر تفصيلاً منفصلاً عن الورقة الأميركية. إنه يعكس صورتها الميدانية الأولى، أو على الأقل اختبار مبكر لما قد تعنيه إذا تُرجمت بشروط العدو: قرى تراقب نفسها، أهالٍ يُدفعون إلى الفرز والتدقيق، ومجتمع جنوبي يُطلب منه أن يؤدي وظيفة أمنية لا لمصلحة الدولة، بل لمصلحة من يقصفه ويهدده ويخاطبه من خلف الحدود.
ليست المسألة اتهاماً للأهالي. ولا يجوز أن تُقرأ بهذه الطريقة. خوف الناس مفهوم، وحقهم في حماية بيوتهم طبيعي، وقرى الجنوب تعرف معنى الاحتلال والتهجير والعيش تحت الطائرات. السؤال ليس عن خوف الناس، بل عن اليد التي تريد إدارة هذا الخوف. ليس عن حق القرية في حماية نفسها، بل عن الجهة التي تريد أن تقول لها من يدخل ومن لا يدخل، ومن يكون خطراً ومن يكون آمناً.
الحاجز لا تحدده الحجارة ولا العصي ولا الوجوه الواقفة عليه. تحدده الجهة التي ترسم وظيفته. فإذا كان الحاجز بإمرة الدولة وأجهزتها، فهو شأن سيادي داخلي. أما إذا كانت وظيفته مرسومة من العدو، فهو حاجز إسرائيلي في وظيفته، ولو وقف عليه لبنانيون. هنا تبدأ اللعبة الخطرة: أن تتحول الضحية إلى شرطي عند باب بيتها، وأن ينجح الاحتلال في نقل الخوف من طائراته إلى الطريق بين القرى.
من يقصف الجنوب لا يحمي الجنوب. ومن يستبيح الأجواء لا يتحول فجأة إلى جمعية دفاع مدني. لذلك، حين يطلب العدو من الأهالي إقامة حواجز، فهو لا يخاف عليهم، بل يريد توظيف خوفهم. يريد أن يقول لهم إن الخطر ليس من إسرائيل، بل من المقاومة. يريد أن يعزل الناس عن القوة التي منعت الاحتلال من العودة بلا كلفة. يريد أن يحوّل العلاقة بين القرية والمقاومة إلى علاقة شك ومراقبة واتهام.
من هنا يصبح الحديث عن الهدنة أخطر من الهدنة نفسها. ليست المشكلة في أن تبسط الدولة سلطتها. المشكلة أن يُختزل بسط الدولة بنزع سلاح من يقاوم، فيما يبقى العدو حراً في القصف والتهديد، والاتصال بالقرى، وتحديد وظائفها. ليست المشكلة في الأمن، بل في أمن يصممه الإسرائيلي باسم الدولة. وليست المشكلة في وقف النار، بل في وقف نار يطلب من الجنوب أن يصبح منطقة اختبار لشروط إسرائيل.
لقد عرف الجنوب هذه الوصفة من قبل. سعد حداد لم يهبط من السماء قائداً لميليشيا موالية لإسرائيل. كان ضابطاً في الجيش اللبناني، ثم انشقّ في الجنوب، وشكّل نواة قوة محلية تعاونت مع الاحتلال وتطورت لاحقاً إلى ما عُرف بـ«جيش لبنان الجنوبي»، قبل أن يرتبط الاسم أكثر بمرحلة أنطوان لحد. البداية لم تكن دائماً دبابة إسرائيلية عند الباب. كانت ضابطاً يعرف الأرض، ومجموعة تعرف القرى، وفراغاً رسمياً، وحاجة أمنية مصطنعة، ودعماً إسرائيلياً يحول الانفصال إلى وظيفة.
اليوم، قد لا تعود الصيغة نفسها بالثياب القديمة. لن نرى بالضرورة إعلان انشقاق، ولا شريطاً حدودياً معلناً، ولا قائداً يرفع علماً في مرجعيون. النسخة الجديدة قد تكون أنعم: ورقة تفاوض في واشنطن، مناطق تجريبية باسم الهدنة، حواجز محلية باسم حماية الأهالي، ومنع دخول وسماح وتدقيق تحدد إسرائيل معناه وقواعده. هكذا لا تولد «ميليشيا لحد» الجديدة من الثكنة، بل من الحاجز. لا تولد من بيان تأسيسي، بل من اتصال هاتفي. لا تولد باسم العمالة أولاً، بل باسم النجاة.
لذلك، على السلطة التي تفاوض تحت النار أن تجيب: هل المقصود بسط سلطة سيادة لبنان، أم بسط شروط إسرائيل باسم لبنان؟ هل المطلوب حماية الناس، أم تحويلهم إلى أدوات مراقبة على أبواب بلداتهم لمصلحة العدو؟ وهل تكون الهدنة طريقاً إلى وقف العدوان، أم إلى محاصرة المقاومة وإعادة ترتيب الجنوب وفق ما يريده العدو؟
لا حواجز بتوجيه إسرائيلي. لا تدقيق هويات بأمر العدو. لا حماية تتحول إلى وكالة. ولا تفاوض يخلط بين السيادة وشروط الاحتلال. فالميليشيا اللحدية لا تولد دائماً بضجيج السلاح؛ قد تولد من ورقة، وحاجز، وخوف، وفراغ، وصمت رسمي. ومن يستخف بهذه البذرة ينسى أن أخطر الحروب ليست تلك التي يُطلق فيها النار فقط، بل تلك التي يحاول فيها العدو أن يجعل الناس يعملون، من حيث لا يريدون، في خدمته.