أي لبنلن نريد؟

post-img

محمد دعيبس /موقع العهد الإلكتروني

منذ عقود، يحمل لبنان صورة “واحة الحرية” في محيط عربي وإقليمي مثقل بالقيود؛ فقد كانت الصحافة اللبنانية، رغم كل أزماتها وارتباطاتها السياسية والمالية، فضاءً نادرًا يُسمع فيه صوت مختلف، ويُنشر فيه رأي معارض، وتُقال فيه حقيقة مزعجة دون أن يكون صاحبها بالضرورة مطارَدًا أو مكمَّم الفم. هذه الصورة، التي طالما تباهى بها اللبنانيون كجزء من هويتهم الوطنية، باتت اليوم مهددة بشكل متزايد، لا من الداخل فحسب، بل بفعل أنماط قمع مستوردة، مصمَّمة في بيئات سياسية أخرى ومطبَّقة بأدوات محلية.

في بلد تتقاسمه الطوائف والمصالح والزبائنية السياسية، لطالما كانت الصحافة الحرة، رغم عيوبها، خط الدفاع الأخير عن حق المواطن في المعرفة. فالصحافي الذي يكشف ملفًا فاسدًا، أو يوثّق انتهاكًا، أو يطرح سؤالًا محرجًا على مسؤول، إنما يمارس وظيفة رقابية لا تعوَّض في غياب مؤسسات رقابية فاعلة؛ فحين تغيب المحاسبة القضائية والإدارية، يبقى السؤال الصحافي أحيانًا الوسيلة الوحيدة لإبقاء السلطة تحت المراقبة. لكن هذه الوظيفة بالذات هي ما يجعل الصحافة هدفًا دائمًا، فكل من يخشى الكشف يسعى، بطريقة أو بأخرى، إلى إسكات من يملك القدرة عليه.

ما يستدعي القلق اليوم ليس فقط استمرار الضغوط التقليدية على الصحافيين في لبنان، بل تبدُّل طبيعة هذه الضغوط؛ فلم تعد أدوات الترهيب محصورة بالتهديد المباشر أو الدعوى القضائية الفضفاضة بتهم “الذم والقدح” أو “إثارة النعرات الطائفية”، بل باتت تُستنسخ من نماذج إقليمية ودولية أثبتت “فعاليتها” في تقييد الإعلام، مثل: حملات التشويه الممنهجة على وسائل التواصل، والملاحقات القضائية المتزامنة من جهات متعددة لاستنزاف الصحافي ماديًا ونفسيًا، وتصنيف العمل الصحافي كـ”تهديد للأمن القومي”، واستخدام تشريعات مكافحة الجرائم الإلكترونية - التي وُضعت أصلًا في سياقات أخرى - كأداة لملاحقة النشر والرأي بدل ملاحقة الجريمة الفعلية.

هذه الأنماط ليست ابتكارًا لبنانيًا خالصًا؛ إنها ترجمة محلية لتقنيات قمع مجرَّبة في بيئات أخرى، حيث يُعاد تدوير الخطاب نفسه: تسمية الصحافي “مأجورًا"، ورفع الصوت بوجه كلّ طاغية بـ”الإساءة إلى صورة الوطن”، وتصوير من يسأل الأسئلة الصعبة وكأنه هو المشكلة، لا من يرتكب ما يُسأل عنه.

الثمن هنا لا يدفعه الصحافي وحده؛ فحين يُسكَت صوت واحد، تخسر الحقيقة أذنًا كانت ستسمعها، وحين تتحول الملاحقة القضائية إلى أداة تخويف جماعي، لا يتردد صحافي واحد فقط في طرح سؤال، بل يتردد جيل كامل من الكتّاب والمحررين الشباب قبل أن يوقّعوا مقالًا بأسمائهم الحقيقية. هذا هو الخطر الأعمق: ليس إسكات صوت، بل زرع الخوف كأداة رقابة ذاتية دائمة، لا تحتاج معها السلطة إلى ملاحقة كل من يخالفها، لأن الخوف بات يقوم بالمهمة نيابة عنها.

حين نسأل “أيّ لبنان نريد؟”، فإننا في جوهر السؤال نسأل: هل نريد بلدًا يُقاس فيه النجاح بقدرة السلطة على تحييد كل صوت مزعج، أم بلدًا تُقاس فيه قوته بقدرته على احتمال النقد والاختلاف؟ إن التجارب المحيطة تقدّم نموذجًا واضحًا لما يحدث حين تُخنق المساحات الإعلامية الحرة؛ تتضاعف الشائعات لأن الحقيقة لا تصل، ويتوسع الفساد لأن من كان يكشفه صار صامتًا، ويفقد المواطن أي قناة مشروعة للتعبير عن غضبه، فيبحث عنها في أشكال أكثر فوضوية وأقل قابلية للاحتواء.

لذلك، فإن لبنان الذي نريد هو لبنان الذي يفهم أن حرية الصحافة ليست ترفًا ديمقراطيًا يُمنح عند الرخاء ويُسحب عند الأزمة، بل هي بالتحديد الأداة التي تحتاجها الأزمات لتُحَل بدل أن تتفاقم في العتمة. هو لبنان الذي يرفض استيراد ثقافة الإسكات من أي مكان، ويصرّ على أن يبقى الصحافي محميًا بالقانون لا مهدَّدًا به، وأن يبقى قول الحق - مهما كان مزعجًا لهذا الطرف أو ذاك - حقًا مكفولًا لا جريمة يُحاسَب عليها. فالدفاع عن هذه المساحة ليس معركة الصحافيين وحدهم، بل معركة كل من يريد للبنان أن يبقى، رغم كل شيء، بلدًا يمكن فيه أن يُقال الحق بصوت مسموع.

 

 

 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد